العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٧ - من أخبار مجانين دير هزقل
نفسان لي نفس تضمّنها # بلد و أخرى حازها بلد
و أرى المقيمة ليس ينفعها # صبر و ليس بفوقها جلد
و أظنّ غائبتي كشاهدتي # فكأنّها تجد الذي أجد
فقلت له: أحسنت و اللّه!فأومأ إلى شيء ليرمينا به، و قال: أمثلي يقال له أحسنت!قال: فولينا عنه هاربين، فقال: أسألكم باللّه إلا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن أحسنت قلتم لي أحسنت، و إن أسأت قلتم لي أسأت. قال: فرجعنا و وقفنا، و قلنا له: قل. فأنشأ يقول:
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم # و رحّلوها و سارت بالدّمى الإبل [١]
و قلّبت من خلال السّجف ناظرها # ترنو إليّ و دمع العين منهمل [٢]
و ودّعت ببنان عقده عنم # ناديت: لا حملت رجلاك يا جمل [٣]
ويلي من البين!ما ذا حلّ بي و بها # من نازل البين؟حلّ البين و ارتحلوا [٤]
يا راحل العيس عرج كي أودّعهم # يا راحل العيس في ترحالك الأجل [٥]
إني على العهد لم أنقض مودّتهم # يا ليت شعري بطول العهد ما فعلوا
قال: فقلنا له: ماتوا!فصاح و قال: و أنا و اللّه أموت: و تربع و تمدد فمات، فما برحنا حتى دفناه.
و قال محمد بن يزيد المبرّد: دخلنا دير هزقل، فإذا بمجنون بيده حجر، و قد تفرّق الناس عنه، و هو يقول: يا معشر إخواني، اسمعوا مني. ثم أنشأ يقول:
و ذي نفس صاعد # يئن بلا عائد
يكرّ على جحفل # و يضعف عن واحد [٦]
[١] العيس: النوق.
[٢] السجف: أحد الستارين المقرونين بينهما فرجة.
[٣] العنم: نبات تحمل اوراقا متقابلة تشبه ورق الزيتون، و أزهاره قرمزية يتخذ منها خضاب.
[٤] البين: الفراق.
[٥] عرج: مال.
[٦] الجحفل: الجيش.