العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٦ - من أخبار مجانين دير هزقل
ابن سيار و مجنون
و قيل: وفد أعرابي من شعراء المجانين إلى نصر بن سيار بشعر تغزل فيه بمائة بيت، و مدحه ببيتين؛ فقال له: و اللّه ما تركت قافية لطيفة و لا معنى إلا شغلت به نسيبك دون مدحك. قال: سأقول غير هذا. فغدا عليه بشعر يقول فيه:
هل تعرف الدار لأمّ الغمر # دع ذا و حبّر مدحة في نصر [١]
فقال له نصر: لا ذا و لا ذاك.
و قال بعض العلماء: ما شبّهت تأويل الرافضة في قبح مذهبهم إلا بتأويل رجل من مجانين أهل مكة للشعر؛ فإنه قال: ما سمعت بأكذب من بني تميم؛ زعموا أن قول القائل:
بيت زرارة محتب بفنائه # و مجاشع و أبو الفوارس نهشل [٢]
... زعموا أن هذه أسماء رجال منهم!قال بعض أهل الأدب: قلت له: و ما عندك أنت فيه؟قال: البيت بيت اللّه، و زرارة الحجر، و مجاشع زمزم جشعت بالماء، و أبو الفوارس هو أبو قبيس جبل مكة!قلت له: فنهشل؟قال نهشل... ؟و فكر فيه ساعة، ثم قال: قد أصبته؛ و هو مصباح الكعبة طويل أسود؛ فذلك النهشل!
من أخبار مجانين دير هزقل
قال المبرد محمد بن يزيد النحوي: خرجنا من بغداد نريد واسطا، فملنا إلى دير هزقل ننظر إلى المجانين، فإذا المجانين كلهم قد رأونا، و نظرنا إلى فتى منهم قد غسل ثوبه و نظفه و جلس ناحية عنهم؛ فقلنا: إن كان فهذا فوقفنا به، فسلمنا عليه فلم يردّ السلام؛ فقلنا له: ما تجد؟فقال:
اللّه يعلم أنني كمد # لا أستطيع أبثّ ما أجد [٣]
[١] حبّر: كثب.
[٢] احتبى: جلس على اليته و ضمّ فخديه و ساقيه الى بطنه بذراعيه ليستند.
[٣] ما أجد: ما عندي من الوجد.