العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٢ - الفاكه و زوجته هند في ريبة
يا معشر النمر، نزعت إليكم غريبا حزينا، فانظروا لي امرأة اتزوّجها. قد أذلها الفقر، و أدّبها الغنى، لها حسب و جمال.
فزوّجوه على هيئة ما طلب، فقال: إني لا أقيم فيكم حتى أعلمكم اخلاقي: إني غيور فخور نفور؛ و لكني لا أغار حتى أرى، و لا أفخر حتى أفعل، و لا آنف حتى أظلم.
فأقام فيهم حتى ولد له غلام سماه خليفة، ثم بدا له ان يرتحل عنهم، فجمعهم ثم قال:
يا معشر النمر، إن لكم عليّ حقا، و أنا أريد أن أوصيكم، فآمركم بخصال، و أنهاكم عن خصال: عليكم بالاناة، فإن بها تنال الفرصة؛ و سوّدوا من لا تعابون بسؤدده؛ و عليكم بالوفاء، فإن به يعيش الناس؛ و باعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة؛ و منع ما تريدون منعه قبل القسم؛ و إجارة الجار على الدهر؛ و تنفيس المنازل؛ [عن بيوت اليتامى، و خلط الضيف بالعيال]و أنهاكم عن الرهان، فإني به ثكلت مالكا. و أنهاكم عن البغي، فإنه صرع زهيرا. و عن السرف في الدماء، فإن يوم الهباءة أورثني الذلّ، و لا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق و لا تردّوا الأكفاء عن النساء فتحوجوهنّ إلى البلاء؛ فإن لم تجدوا الأكفاء فخير أزواجهن القبور؛ و اعلموا اني اصبحت ظالما مظلوما: ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكا، و ظلمت بقتلي من لا ذنب له.
الفاكه و زوجته هند في ريبة
كان الفاكه بن المغيرة المخزومي أحد فتيان قريش، و كان قد تزوج هند ابنة عتبة، و كان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه بلا اذن، فقال يوما في ذلك البيت و هند معه؛ ثم خرج عنها و تركها نائمة، فجاء بعض من كان يغشى البيت. فلما وجد المرأة نائمة ولّى عنها، فاستقبله الفاكه بن المغيرة، فدخل على هند و أنبهها، و قال: من هذا الخارج من عندك؟قالت: و اللّه ما انتبهت حتى أنبهتني، و ما رأيت أحدا قط. ـ