العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٣ - المبرد و كتابه الروضة
ألا لا يلمني في العقار [١] جليسي # و لا يلحني في شربها بعنوس
تعشّقها قلبي فبغّض عشقها # إليّ من الأشياء كلّ نفيس
و أين هذا الاختيار من اختيار عمرو بن بحر الجاحظ، حين اجتلب ذكره في كتاب الموالي، فقال: و من الموالي الحسن بن هانئ، و هو من أقدر الناس على الشعر، و أطبعهم فيه؛ و من قوله:
فجاء بها صفراء بكرا يزفّها # إليّ عروسا ذات دلّ معتق
فلما جلتها الكأس أبدت لناظري # محاسن ليث بالجمال مطوّق
و من قوله:
ساع بكأس إلى ناس على طرب # كلاهما عجب في منظر عجب
قامت تريك و شمل الليل مجتمع # صبحا تولّد بين الماء و العنب
كأنّ صغرى و كبرى من فقاقعها # حصباء درّ على أرض من الذهب
و جلّ أشعاره في الخمريات بديعة لا نظير لها، فخطرفها كلها و تخطاها إلى التي جانسته في برده، فما أحسبه لحقه هذا الاسم «المبرّد» إلا لبرده؛ و قد تخيّر لأبي العتاهية أشعارا تقتل من بردها، و شنّفها [٢] و قرّطها [٣] بكلامه، فقال: و من شعر أبي العتاهية المستظرف عند الظرفاء، المتخير عند الخلفاء، قوله:
يا قرّة العين كيف أمسيت # أعزز علينا بما تشكّيت
و قوله:
آه من وجدي و كربي # آه من لوعة حبي [٤]
ما أشدّ الحبّ يا سبحانك اللهمّ ربّي!
[١] العقار: الخمر.
[٢] شنفها: زيّنها.
[٣] يقال قرّط الجارية: أي ألبسها القرط.
[٤] الكرب: الحزن.