العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨٦ - صفة الكعبة
فإذا كان وقت الموسم وضع عليه تابوت حديد مثقب لئلا تناله الأيدي.
و حول البيت كله سوار ستّ غلاظ مربعة من حديد مذهبة، و رءوسها مذهبة أيضا، يوقد عليها بالليل للطائفين، بين كل عمود منها و البيت نحو ما بين المقام و البيت.
و زمزم بشرقي الركن الأسود، بينهما مثل الثلاثين ذراعا، و هي بئر واسعة، تنّورها من حجر مطوّق أعلاه بالخشب، و سقفها قبو مزخرف بالفسيفساء على أربعة أركان تحت كل ركن منهما عمودان من رخام متلاصقان، و قد سد ما بين كل ركنين منهما بشرجب [١] خشب، و ردّ إلى باب من جهة المشرق، و حول القبو كله مثل البرطلة [٢] ، و بشرقي زمزم بيت مقدر، سقفه مزخرف بالفسيفساء أيضا مقفل عليه، و شرقي هذا البيت بيت كبير مربع له ثلاثة أقباء، و في كل وجه منه باب.
و حمام المسجد كثير أنيس، يكاد الإنسان أن يطأه بقدمه، لأنسه بالناس؛ و هو في لون حمام الأبرجة عندنا، إلا أنه أقدر منه، و ليس منه حمامة تجلس على البيت و لا تطير عليه، و لقد همني ذلك، فرأيتها حين تكاد أن تحاذي البيت و هي مستعلية في طيرانها ذلك، غطست حتى تصير دونه، و أخذت عن يمينه أو يساره، و زرقها ظاهر بارز على البيوت التي في المسجد، إلا بيت اللّه الحرام فانه نقى ليس فيه و لا عليه أثر، فسبحان معظّمه و مقدّسه و مطهّره، و تعالى علوا كبيرا! و بين باب الصفا-و هو بقبلي البيت-و الصفا، الشارع، و هو ببطن الوادي؛ و بعد الشارع فناء كبير فيه الباعة، ثم الصفا في أصل جبل أبي قبيس، قد أحدق به البناء إلا من الوجه الذي يرقى إليها منه، و الرقي إليها على ثلاث درج مبنية بالصخر، و الواقف على الصفا مستقبل الجوف ينظر إلى البيت من باب الصفا.
و المروة بشرقي المسجد، و هي من الصفا بين المشرق و المغرب، قد أحدق بها البناء
[١] الشرجب: لفت الفرس.
[٢] البرطلة: المظلة.