العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩١ - أديب ذاهب العقل
تشييعهم؟فقال: لي فيهم سكن [١] . قلت: فهل قلت فيهم شيئا؟قال: نعم. و أنشدني:
هم رحلوا يوم الخميس عشيّة # فودّعتهم لمّا استقلوا و ودّعوا
فلما تولّوا ولّت النفس معهم # فقلت ارجعي قالت إلى أين أرجع؟
إلى جسد ما فيه لحم و لا دم # و ما هو إلا أعظم تتقعقع
و عينان قد أعياهما كثرة الكبا # و أذن عصت عذّالها ليس تسمع
أديب ذاهب العقل
أبو بكر الوراق قال: حدّثني صديق لي؛ قال: رأيت رجلا من أهل الأدب قد ذهب عقله بالمحبة، و خلفه دابة له تدور معه، فاستوقفته و قلت له: يا فلان، ما حالك؟و أين النعمة؟قال: تغير قلبي فتغيرت النعمة!قلت: بم تغيّر؟قال: بالحب!ثم بكى و أنشأ يقول:
أرى التجمّل شيئا لست أحسنه # و كيف أخفي الهوى و الدّمع يعلنه [٢]
أم كيف صبر محبّ قلبه دنف # الهجر ينحله و الشّوق يحزنه؟ [٣]
و إنه حين لا وصل يساعفه # يهوى السّلوّ، و لكن ليس يمكنه
و كيف ينسى الهوى من أنت همّته # و فترة اللحظ من عينيك تفتنه؟
فقلت: أحسنت و اللّه!فقال: قف قليلا، فو اللّه لأطرحنّ في أذنيك أثقل من الرصاص و أخف على الفؤاد من ريش الحواصل!و أنشد:
للحبّ نار على عيني مضرمة # لم تبلغ النار منها عشر معشار
الماء ينبع منها من محاجرها # يا للرّجال لماء فاض من نار!
ثم وقف و أنشد:
أعاد الصّدود فأحيا العليلا # و أبدى الجفاء فصبرا جميلا [٤]
[١] السكن: أهل الدار.
[٢] التجمل: تكلف الحسن و الجمال.
[٣] الدنف: الذي اشتد مرضه.
[٤] الصد: الهجر.