العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٢ - خبر الذلفاء
الوصائف ذلك ننحين عنه؛ ثم رفع رأسه فقال: أبا زيد، حللت في يوم فيه انقضاء اجلك و منتهى مدتك و تصرّم عمرك!و اللّه لاضربن عنقك أو لتخبرني ما أثار هذه الصفة من قلبك.
قلت: نعم أصلح اللّه الامير؛ كنت جالسا عند باب اخيك سعيد بن عبد الملك، فإذا انا بجارية قد خرجت إلى باب القصر كالغزال انفلت من شبكة الصياد؛ عليها قميص اسكندراني يتبين منه بياض بدنها، و تدوير سرّتها، و نقش تكتها؛ و في رجليها نعلان حمراوان، و قد أشرق بياض قدمها على حمرة نعليها؛ مضمومة بفرد ذؤابة تضرب الى حقويها و تسيل كالعثاكيل [١] على منكبيها، و طرّة [٢] قد أسبلت على مثنى جبينها، و صدغان قد زينا كأنهما نونان على وجنتيها، و حاجبان قد قوّسا على محجري عينيها، و عينان مملوءتان سحرا، و أنف كأنه قصبة درّ، و فم كأنه جرح يقطر دما؛ و هي تقول: عباد اللّه، من لي بدواء من لا يشتكي، و علاج من لا ينتمي؟طال الحجاب، و أيضا الجواب؛ فالفؤاد طائر، و القلب عازب، و النفس والهة، و الفؤاد مختلس، و النوم محتبس؛ رحمة اللّه على قوم عاشوا تجلّدا، و ماتوا تبلّدا؛ و لو كان إلى الصبر حيلة و إلى العزاء سبيل لكان أمرا جميلا!.
ثم أطرقت طويلا، ثم رفعت رأسها؛ فقلت: أيتها الجارية، إنسية أنت أم جنيّة؟ سمائية أم أرضية؟فقد اعجبني ذكاء عقلك؛ و أذهلني حسن منطقك!.
فسترت وجهها بكمها كأنها لم ترني، ثم قالت: اعذر أيها المتكلم الاريب، فما أوحش الساعة بلا مساعد، و المقاساة لصبّ معاند!ثم انصرفت؛ فو اللّه-أصلح اللّه الامير-ما أكلت طيبا إلا غصصت به لذكرها، و لا رأيت حسنا إلا سمج في عيني لحسنها!.
قال سليمان: أبا زيد، كاد الجهل أن يستفزني، و الصبا ان يعاودني، و الحلم أن
[١] العثاكيل: جمع عثكول: و هو ما علّق من عهن او صوف او زينة فتذبذب في الهواء.
[٢] الطّرّة: طرف كل شيء و حرفه.