العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٩ - أبو فحمة
فو حقّ من أبلى بهم # نفسي و من عافاهم
لو قيس موتاهم بهم # كانوا هم موتاهم
ثم نظر حوله فرأى جميل الهيئة حسن الوجه، فشق ثيابه و قال:
هذا السعيد لديهم # قد صار بي أشقاهم
أبو فحمة
قال أبو البحتري الشاعر: كان يبلغني أن ببغداد مجنونا يكنى أبا فحمة، له بديهة حسنة، فتعرضت له، فأتيح لي لقاؤه في بعض سكت بغداد؛ فقلت له: كيف أصبحت أبا فحمة؟فأنشأ يقول:
أصبحت منك على شفا جرف # متعرّض لموارد التّلف [١]
و أراك نحوي غير ملتفت # متحرّفا عن غير منحرف
يا من أطال بهجره كلفي # أسفي عليك أشدّ من كلفي
قال أبو البحتري: فأخرجت له قبضة نرجس كانت في كمّي فحيّيته بها، فجعل يشمها مليا، ثم أنشأ يقول:
لمّا تزوجت الجنوب بهاطل # جون هتون زبرج دلاّح [٢]
أضحى يلقّحها بوسمي الصّبا # فاستثقلت حملا بغير نكاح [٣]
حتى إذا حان المخاض تفجّرت # فأتت بولدان بلا أرواح
حاك الربيع لها ثيابا وشّيت # بيد النّدى و أنامل الأرواح
من أصفر في أزهر قد زانه # تبر على ورق من الأوضاح
ركّبن في عمد الزّبرجد فاغتدى # نحو الغزالة ناظرا بملاح
[١] الجرف: شق الوادي إذا حفر الماء في أسفله.
[٢] الزبرج: السحاب الرقيق فيه حمرة.
[٣] الصّبا: ريح مهبها من مشرق الشمس اذا استوى الليل و النهار.