مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٧ - ١٣ سورة الرعد
والعبارة «سِرًّا وَعَلَانِيَةً» إشارة اخرى إلى هذه الحقيقة وهي أنّ إنفاقهم يتمّ بشكل مدروس، فتارةً يكون سرّاً ويترتّب عليه أثر كبير، وذلك في الحالات التي تصون الطرف المنفق من الرياء، ومرّةً يكون الإنفاق العلني أكثر تأثيراً وذلك في الحالات التي تدعو الآخرين لكي يتأسّوا بهذا العمل الخيّر ويقتدوا به، فيكون سبباً لكثير من أعمال الخير.
الصفة الثامنة والأخيرة هي قوله تعالى: «وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيّئَةَ».
ومعنى هذه العبارة أنّهم لم يكتفوا بالتوبة والاستغفار فقط عند إرتكابهم الذنوب، بل يدفعونها كذلك بالحسنات على مقدار تلك الذنوب، حتى يطهّروا أنفسهم والمجتمع بماء الحسنات.
ويحتمل في تفسير الآية أنّهم لا يقابلون السيء بالسيء، بل يسعون من خلال إحسانهم للمسيئين أن يجعلوهم يعيدون النظر في مواقفهم.
وبعد ما ذكر القرآن الكريم الصفات الثمانية لُاولي الألباب، أشار في نهاية الآية إلى عاقبة أمرهم حيث يقول تعالى: «أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ».
الآية الاخرى
توضّح هذه العاقبة «جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرّيَّاتِهِمْ».
والشيء الذي يكمل هذه النعم الكبيرة واللامتناهية «وَالْمَلِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مّن كُلّ بَابٍ* سَلمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ». فهذه السلامة جاءت بعد ما صبرتم على الشدائد وتحمّلتم المسؤوليات الجسام والمصائب، ولكم هنا كامل الطمأنينة والأمان، فلا حرب ولا نزاع، وكل شيء يبتسم لكم، والراحة الخالية من المتاعب- هنا- معدّة لكم.
يستفاد من آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة أنّ للجنة عدّة أبواب، ولكن هذا التعدد للأبواب بسبب الأعمال المختلفة للأفراد.
ومن الظريف أنّ القرآن الكريم- في الآية (٤٤) من سورة الحجر- يذكر لجهنم سبعة أبواب «لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ». وهذه إشارة إلى أنّ طرق الوصول إلى السعادة وجنّة الخلد أكثر من طرق الوصول إلى الشقاء والجحيم، ورحمة اللَّه سبقت غضبه.
١٣/ ٢٦- ٢٥ وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَقْدِرُ وَ فَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦) للمفسدين الذين فقدوا حظّهم من العلم والمعرفة حيث يقول جلّ وعلا: «وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ» [١].
في الحقيقة يتلخص فساد عقيدتهم في الجمل الثلاث الآتية:
١- نقض العهود الإلهية: وتشمل المواثيق الفطرية والعقلية والتشريعية.
٢- قطع الصلات: وتشمل الصلة مع اللَّه والرسل والناس ومع أنفسهم.
٣- الإفساد في الأرض: وهو نتيجة حتمية لنقض العهود وقطع الصلات.
قوله تعالى: «اللَّهُ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ». وهذه إشارة لُاولئك الذين يسعون للحصول على دخل أكثر فهم يفسدون في الأرض وينقضون عهد اللَّه ويقطعون ما أمر اللَّه به أن يوصل لكي يزيدوا من دخلهم المادي، وهم غافلون عن هذه الحقيقة وهي أنّ الرزق- في زيادته ونقصه- بيد اللَّه سبحانه وتعالى.
ثم تضيف الآية: «وَفَرِحُوا بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا فِى الْأَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ».
١٣/ ٢٩- ٧٢ ألا بذكر اللَّه تطمئنّ القلوب: في سورة الرعد بحوث كثيرة حول التوحيد والمعاد والنبوة، فالآية الاولى من هذه المجموعة تبحث مرّةً اخرى في دعوة الرسول صلى الله عليه و آله وتبيّن واحداً من أعذار المشركين المعاندين حيث يقول تعالى: «وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنِزلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مّن رَّبّهِ».
إنّ هؤلاء يتوقّعون من النبي أن يجلس في زاوية الدار ويُظهر لكل واحد منهم المعجزة التي يقترحها، فإن لم تعجبهم لم يؤمنوا بها.
ويجيبهم القرآن الكريم حيث يقول: «قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ».
وهذه إشارة إلى أنّ العيب ليس من ناحية الإعجاز، لأنّ الأنبياء قد أظهروا كثيراً من
[١] «اللعن»: بمعنى الطرد مع الغضب، واللعن في الآخرة تشير إلى العقوبة وفي الدنيا الإبتعاد من رحمة اللَّه.