مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢ - ٦ سورة الأنعام
إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يؤمر في هذه الآية أن يقول: إنّ دليلي في قضية عبادة اللَّه ومحاربة الأصنام واضح وبيّن، وإنّ تكذيبكم وإنكاركم لا يقللان من صدق الدليل. ثم يشير إلى حجة واهية اخرى من حججهم، وهي أنّهم كانوا يقولون: إن كنت على حق فعلًا فعجّل بالعقاب الذي تتوعدنا به، فيقول لهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ» لأنّ الأعمال والأوامر كلها بيد اللَّه: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ».
إنّ معنى «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» واضح، أي إنّ كل أمر في عالم الخلق والتكوين وفي عالم الأحكام والتشريع بيد اللَّه، وكذلك كل منصب- بما في ذلك القيادة الإلهية والتحكيم والقضاء- إذا أوكل إلى أحد، فإنّما هو بأمر اللَّه تعالى.
وبعد ذلك يقول مؤكّداً: إنّ اللَّه هو الذي «يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ».
الآية التالية
تأمر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أن يقول لهؤلاء الجماعة الملحاحة العنيدة الجاهلة: لو أنّ ما تطلبونه منّي على عجل كان في سعتي وقدرتي، وأجبتكم إليه لانتهى الأمر، ولم يعد بيني وبينكم شيء: «قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ».
ولكيلا يظنّوا أنّ عقابهم قد طواه النسيان، يقول في النهاية: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ» وسوف يعاقبهم في الوقت المناسب.
«يقص»: في اللغة ترد بمعنى القطع، وعلى هذا يكون معنى و «يَقُصُّ الْحَقَّ» إنّ اللَّه يقطع الحق عن الباطل ويفصل بينهما.
٦/ ٦٢- ٥٩ وَ عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَ يَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَ لَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَ لَا رَطْبٍ وَ لَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩) وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَ هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَ هُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢) أسرار الغيب: في هذه الآيات يدور الكلام حول علم اللَّه وقدرته وسعة حكمه وأمره،