مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦ - ٦ سورة الأنعام
اعرفوا واهب النعم: الخطاب ما يزال موجّهاً إلى المشركين. في هذه الآيات حثّ استدلالي على إيقاظهم ببيان آخر يعتمد غريزة دفع الضرر، فيبدأ بالقول: إنّه إذا سلب منكم اللَّه النعم الثمينة التي وهبها لكم، مثل السمع والبصر، وأغلق على قلوبكم أبواب التمييز بين الحسن والسيء، والحق والباطل، فمن يا ترى يستطيع أن يعيد إليكم تلك النعم؟ «قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ».
في الواقع، كان المشركون أنفسهم يعتقدون أنّ الخالق والرازق هو اللَّه، وكانوا يعبدون الأصنام للإستشفاع بها عند اللَّه.
ثم تقول الآية: انظر إلى هؤلاء الذين نشرح لهم الآيات والدلائل بمختلف الوسائل، ولكنهم مع ذلك يعرضون عنها: «انظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ الْأَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ».
«نصرف»: من «التصريف» بمعنى «التغيير» والكلمة هنا تشير إلى مختلف الاستدلالات في صور متنوعة. و «يصدفون»: من «صدف» بمعنى «الجانب» و «الناحية» أي إنّ المعرض عن شيء يدير وجهه إلى جانب أو ناحية اخرى.
تشير
الآية الثانية
- بعد ذكر هذه النعم الثلاث «العين والأذن والإدراك» التي هي منبع جميع نعم الدنيا والآخرة- إلى إمكان سلب هذه النعم كلّها دفعة واحدة، فتقول: «قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ».
«بغتة»: بمعنى «فجأة» و «جهرة» بمعنى «الظاهر» والعلانية.
والقصد هو أنّ القادر على إنزال مختلف العقوبات، وسلب مختلف النعم هو اللَّه وحده، وإنّ الأصنام لا دور لها في هذا أبداً، لذلك ليس ثمّة ما يدعو إلى اللجوء إليها، لكن اللَّه لحكمته ورحمته لا يعاقب إلّاالظالمين.
الآية الثالثة
تشير إلى مركز الأنبياء، فتقول: ليست الأصنام العديمة الروح هي وحدها العاجزة عن القيام بأيّ أمر، فإنّ الأنبياء العظام والقادة الإلهيين أيضاً لا عمل لهم سوى إبلاغ الرسالة والإنذار والتبشير، فكلّ ما هنالك من نعم إنّما هي من اللَّه وبأمره، وأنّهم إن أرادوا شيئاً طلبوه من اللَّه: «وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشّرِينَ وَمُنْذِرِينَ».
ثم تقول: إنّ طريق النجاة ينحصر في أمرين، فالذين يؤمنون ويصلحون أنفسهم «وَيَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ» فلا خوف عليهم من العقاب الإلهي، ولا حزن على أعمالهم السابقة.
«فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ».