مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٧ - ٨ سورة الانفال
ولكن اللَّه جعلكم إزاء أمر مقدر، وكما تقول الآية: «وَلكِن لِّيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا».
وليعرف الحق من الباطل في ظلال ذلك النصر غير المتوقع والمعجزة الباهرة و «لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ».
وتعقب الآية قائلةً: «وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ».
فقد سمع نداء استغاثاتكم، وكان مطلعاً على نياتكم، ولذلك أيّدكم بنصره على أعدائكم.
وكان النبي صلى الله عليه و آله قد رأى في منامه من قبل أنّ قلة من المشركين تقاتل المسلمين، وكانت هذه الرؤيا إشارة إلى النصر وبشارة به، فقد رواه صلى الله عليه و آله للمسلمين فازدادت العزائم في الزحف نحو معركة بدر.
و
الآية الثانية
من الآيات محل البحث تشير إلى الحكمة من هذا الأمر، والنعمة التي أولاها سبحانه وتعالى للمسلمين عن هذا الطريق، فتقول: «إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَيكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ». ولهبطت معنوياتكم، ولم يقف الامر عند هذا الحدّ، بل لأدّى ذلك إلى التنازع واختلاف الكلمة «وَلَتَنَازَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وِلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ» وانقذ الأمر بواسطة الرؤيا التي أظهرت الوجه الباطني لجيش الأعداء، ولأنّ اللَّه يعرف باطنكم «إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ».
وتُذكّر
الآية الاخرى
بمرحلة من مراحل معركة بدر تختلف عن سابقتها، ففي هذه المرحلة وفي ظل خطاب النبي المؤثر فيهم والبشائر الربانية، ورؤية حوادث حال التهيؤ للقتال- كنزول المطر لرفع العطش ولتكون الرمال الرخوة صالحة لساحة المعركة- تجددت بذلك المعنويات وكبر الأمل بالنصر وقويت عزائم القلوب، حتى صاروا يرون الجيش المعادي وكأنّه صغير ضعيف لا حول ولا قوة له، فتقول الآية المباركة: «وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا».
أمّا العدو فإنّه لما كان يجهل معنويات المسلمين وظروفهم، فكان ينظر إلى ظاهرهم فيراهم قليلًا جدّاً، بل رآهم أقل مما هم عليه، إذ تقول الآية في الصدد «وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ».
لهذا فإنّ الآية تعقب على ما سبق قائلة: «لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا».
فلم تنته هذه المعركة وحدها وفق سنة اللَّه فحسب، بل إنّ إرادته نافذة فيكل شيء «وَإِلَى اللَّهِ تُرجَعُ الْأُمُورُ».