مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٠ - ٧ سورة الاعراف
الذي هو مخ العبادة وروحها، يقول أوّلًا: «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً».
«التضرع»: في الأصل من مادة «ضَرْع» بمعنى الثدي، وعلى هذا يكون فعل التضرع بمعنى حلب اللبن من الضرع، وحيث إنّه عند حلب اللبن تتحرك الأصابع على حلمة الثدي من جهاتها المختلفة استداراً للحليب، لهذا استعملت هذه الكلمة في من يظهر حركات خاصة إظهاراً للخضوع والتواضع. وعلى هذا فإنّ الآية المبحوثة، وعبارة «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا» تحثّنا على أن نقبل على اللَّه بمنتهى الخضوع والخشوع والتواضع، بل يجب أن تنعكس روح الدعاء في أعماق روح الإنسان، وعلى جميع أبعاد وجوده.
وأمره تعالى بأن يدعى اللَّه «خفية» وفي السّر، لأنّه أبعد عن الرياء، وأقرب إلى الإخلاص، ولأجل أن يكون الدعاء مقروناً بتمركز الفكر وحضور القلب.
ثمّ قال تعالى في ختام الآية: «إِنَّهُ لَايُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ». أي إنّ اللَّه لا يحب المعتدين.
ولهذه العبارة معنى وسيع يشمل كل نوع من أنواع العدوان والتجاوز، سواء الصراخ ورفع الصوت عالياً جداً حين الدعاء، أو التظاهر وممارسة الرياء، أو التوجه إلى غير اللَّه حين الدعاء.
وفي
الآية اللاحقة
يشير تعالى إلى حكم هو في الحقيقة شرط من شروط تأثير الدعاء، إذ قال: «وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلحِهَا».
ولهذا فلا تستجاب أدعية المفسدين والعصاة، ولا تنتهي إلى أية نتيجة مرجوّة.
والمراد من «الفساد بعد الإصلاح» يمكن أن يكون الإصلاح من الكفر أو الظلم أو كليهما.
في تفسير مجمع البيان عن الإمام الباقر عليه السلام قال:
«إنّ الأرض كانت فاسدة فأصلحها اللَّه بنبيّه صلى الله عليه و آله».
ومرّة اخرى يعود إلى مسألة الدعاء ويذكر شرطاً آخر من شرائطه فيقول: «وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا». أي لا تكونوا راضين معجبين بأفعالكم بحيث تظنون أنّه لا توجد في حياتكم أيّة نقطة سوداء، إذ إنّ هذا الظن هو أحد عوامل التقهقر والسقوط، كما لا تكونوا يائسين إلى درجة أنّكم لا ترون أنفسكم لائقين للعفو الإلهي ولإجابة الدعاء، إذ إنّ هذا