مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٨ - ٧ سورة الاعراف
قد خسروا كل رؤوس أموالهم وتورطوا في خسران جميع وجودهم «قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ».
وسوف يثبت لهم أنّ أصنامهم ومعبوداتهم ليس لها أي دور هناك، وفي الحقيقة ضاعت- في نظرهم- جميعاً «وَضَلَّ عَنْهُم مَّاكَانُوا يَفْتَرُونَ». من هذه الآية يستفاد أوّلًا: أنّ الإنسان حرّ مختار في أعماله، وإلّا لما طلب العودة والرجوع إلى الدنيا لجبران ما فات، و ثانياً: إنّ العالم الآخر ليس مكان العمل واكتساب الفضائل والنجاة.
٧/ ٥٤ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) هذه الآية تصف المعبود الحقيقي مع ذكر صفاته الخاصة حتى يستطيع الذين يطلبون الحقيقة وينشدونها أن يعرفوه بوضوح في هذا العالم وقبل حلول يوم القيامة، ويبدأ حديثه هذا بقوله: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ». أي أنّ المعبود لا يمكن أن يكون إلّامن كان خالقاً.
هل خلق العالم في ستة أيام؟ نظراً إلى المفهوم الواسع للفظة «يوم» وما يعادلها في مختلف اللغات، يكون جواب هذا السؤال واضحاً، لأنّه كثيراً ما يستعمل اليوم بمعنى الدورة. على هذا الأساس أنّ اللَّه سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض في ست دورات متوالية، وإن استغرقت كل دورة من هذه الدورات ملايين أو ملياردات السنين، والعلم الحديث لم يبيّن أي أمر يخالف هذا الموضوع.
ثمّ يقول القرآن الكريم: إنّ اللَّه تعالى بعد خلق السماوات والأرض أخذ زمام إدارتها بيده (أي ليس الخلق منه فقط، بل منه الإدارة والتدبير أيضاً) فقال تعالى: «ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ».
وهذا جواب لمن يعتقد أنّ الكون محتاج إلى اللَّه تعالى في الخلق والإيجاد دون البقاء.
«العرش»: في اللغة هو ما له سقف، وقد يطلق العرش على نفس السقف، وربّما يأتي بمعنى الأسرة الكبيرة المرتفعة، ولكن عندما ينسب إلى اللَّه سبحانه وتعالى ويقال: عرش اللَّه، يراد منه مجموعة عالم الوجود، الذي يعدّ في الحقيقة سرير حكومة اللَّه تعالى.