مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠١ - ٧ سورة الاعراف
وحيث إنّ الخاضعين للحق والمتذكرين قليلون، لذا قال في ختام الآية: «قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ».
ومن هذه الآية يستفاد أنّ الإنسان يواجه طريقين (أو خيارين) إمّا القبول بولاية اللَّه وقيادته، وإمّا الدخول تحت ولاية الآخرين، فإذا سلك الطريق الأوّل كان اللَّه وليّه، وأمّا إذا دخل تحت ولاية الآخرين فإنّ عليه- حينئذ- أن يخضع في كل يوم لواحد من الأرباب، وأن يختار ربّاً جديداً.
٧/ ٥- ٤ وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) هاتان الآيتان تشيران إلى العواقب المؤلمة التي تترتب على مخالفة الأوامر التي تمّ بيانها في الآيات السابقة، كما أنّهما تعدّان فهرستاً إجمالياً عن قصص الأقوام المتعددة أمثال نوح، وقوم فرعون، وقوم عاد وثمود، وقوم لوط التي ستأتي فيما بعد.
إنّ القرآن الكريم يحذّر وينذر بشدة في هذه الآية كل اولئك الذين يتمرّدون على تعاليم الأنبياء ويقومون بزرع الفجور والفساد بدل إصلاح أنفسهم وإصلاح الآخرين، بأن يتدبروا قليلًا في حياة الأقوام السالفة وينظروا كم من قرية عامرة أبادها اللَّه، وأهلك سكّانها الفاسقين: «وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا».
ثم يبيّن كيفية هلاكهم بأنّ العذاب الأليم جاءهم في منتصف الليل وهم يقضون ساعات الراحة والسكون، أو في وسط النهار وهم يمضون لحظات الاستراحة والإسترخاء بعد رحلة من العمل والنشاط اليومي الدّائب: «فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ».
ثم يواصل الحديث في
الآية اللاحقة
هكذا: «فَمَا كَانَ دَعْوَيهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ». فعندما يتورّطون في البلاء، وتتحطم حياتهم بعواصف الجزاء يتركون كبرياءهم ونخوتهم وينادون معترفين بظلمهم: إنّا كنا ظالمين.
ولكن لا يجديها مثل هذا الاعتراف، لأنّه نوع من الاعتراف الجبري والاضطراري الذي يضطرّ إليه حتى أشد الناس غروراً.
إنّ هذه الآيات تحذيرات صاعقة لهذا العصر وما يليه من العصور، لنا وللُامم والأقوام القادمة، لأنّه لا معنى للتبعيض في السنّة الإلهية.