مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤ - ٦ سورة الأنعام
هو لحظة بدء حياتها، وما من أحد غير اللَّه يعلم بنظام هذا الموت وهذه الحياة.
إنّ لهذا الموضوع أثراً «فلسفياً» وآخر «تربوياً»: أمّا أثره الفلسفي، فينفي رأي الذين يحصرون علم اللَّه بالكليات، ويعتقدون أنّه لا يعلم عن الجزئيات شيئاً، وفي الآية هنا تأكيد على أنّ اللَّه يعلم الكليات والجزئيات كلها.
أمّا أثره التربوي فواضح، لأنّ الإيمان بهذا العلم الواسع للَّهيقول للإنسان: إنّ جميع أسرار وجودك، وأعمالك، وأقوالك ونيّاتك، وأفكارك كلها بيّنة أمام اللَّه، فإذا آمن الإنسان حقاً بهذا، فكيف يمكن له أن لا يكون رقيباً على نفسه ويسيطر على أعماله وأقواله ونيّاته.
وفي ختام الآية يقول تعالى: «وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ».
في
الآية الثانية
ينتقل الكلام إلى إحاطة علم اللَّه بأعمال الإنسان وهو الهدف الأصلي وإلى بيان قدرة اللَّه القاهرة، لكي يستنتج الناس من هذا البحث الدروس التربوية اللازمة فتبدأ بالقول بأنّ اللَّه هو الذي يقبض أرواحكم في الليل، ويعلم ما تعملون في النهار: «وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ».
«توفّي»: تعني استرجع، فالقول بأنّ النوم هو استرجاع للروح يعود إلى أنّ النوم أخو الموت، كما هو معروف، فالموت تعطيل كامل لجهاز الدماغ، وانقطاع تام في إرتباط الروح بالجسد، بينما النوم تعطيل قسم من جهاز الدماغ وضعف في هذا الإرتباط، وعليه فالنوم مرحلة صغيرة من مراحل الموت.
«جرحتم»: من «جرح» وهي هنا بمعنى الإكتساب، أي أنّكم تعيشون تحت ظل قدرة اللَّه وعلمه ليلًا ونهاراً، وانّ الذي يعلم بإنفلاق الحبّة ونموها في باطن الأرض، ويعلم بسقوط أوراق الأشجار وموتها في أيّ مكان وزمان، يعلم بأعمالكم أيضاً.
ثم يقول: إنّ نظام النوم واليقظة هذا يتكرر، فأنتم تنامون في الليل «ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى». أي ثم يوقظكم في النهار .. وتستمر هذه العملية حتى نهاية حياتكم.
ويبيّن القرآن النتيجه النهائية لهذا المبحث بالشكل التالي: «ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ».
وفي
الآية الثالثة
توضيح أكثر لإحاطة علم اللَّه بأعمال عباده وحفظها بكل دقة ليوم الحساب، بعد أن يسجلها مراقبون مرسلون لإحصاء أعمالهم: «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً».