مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٥ - ٩ سورة التوبة
سبب النّزول
في تفسير مجمع البيان: إنّ المسلمين قالوا للنبي صلى الله عليه و آله: ألا تستغفر لآبائنا الذين ماتوا في الجاهلية؟ فأنزل اللَّه سبحانه هذه الآية وبيّن أنّه لا ينبغي لنبي، ولا مؤمن، أن يدعو لكافر، ويستغفر له.
التّفسير
نهت الآية الاولى النبي صلى الله عليه و آله والمؤمنين عن الاستغفار للمشركين بلهجة قاطعة وحادة، فهي تقول: «مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ». ولكي تؤكّد ذلك قالت:
«وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى».
ثم أنّ القرآن الكريم بيّن سبب ودليل هذا الحكم فقال: «مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ».
فإنّ هذا العمل- أي الاستغفار للمشركين- عمل لا معنى له وفي غير محله، لأنّ المشرك لا يمكن العفو عنه بأي وجه، ولا سبيل لنجاة من سار في طريق الشرك.
ولما كان المسلمون العارفون بالقرآن قد قرأوا من قبل أن إبراهيم استغفر لعمه آزر، ولذا فمن الممكن جدّاً أن يتبادر إلى اذهانهم هذا السؤال: ألم يكن آزر مشركاً؟ وإذا كان هذا العمل منهياً عنه فكيف يفعله هذا النبي الكبير؟
لهذا نرى أنّ
الآية الثانية
تتطرق لهذا السؤال وتجيب عليه مباشرة لتطمئن القلوب، فقالت: «وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ».
وفي آخر الآية توضيح بأنّ إبراهيم كان إنساناً خاضعاً بين يدي اللَّه عزّ وجلّ، وخائفاً من غضبه، وحليماً واسع الصدر، فقالت: «إِنَّ إِبْرهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ».
ضرورة قطع كل رابطة بالأعداء: إنّ هذه الآية ليست الوحيدة التي تتحدث عن قطع كل رابطة بالمشركين، بل يستخلص من عدّة آيات في القرآن الكريم أنّ كل إرتباط وتضامن وعلاقة، العائلية منها وغيرها، يجب أن تخضع لإطار العلاقات العقائدية، ويجب أن يحكم الانتماء إلى اللَّه ومحاربة كل أشكال الشرك والوثنية، كل أشكاليات الترابط بين المسلمين، لأنّ هذا الإرتباط هو الأساس والحاكم على كل مقدراتهم الاجتماعية، ولا تستطيع