مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٦ - ٩ سورة التوبة
إنّ هذا الأسلوب- في الواقع- هو نوع من الكفاح السلبي الفاعل في مواجهة المنافقين.
إنّ هذا البرنامج والأسلوب الدقيق كان قد أعد لمقابلة منافقي ذلك العصر، ويجب أن يستفيد المسلمون من هذه الأساليب. وفي آخر الآية يتّضح سبب هذا الأمر الإلهي ب «إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» ورغم ذلك فإنّهم لم يفكروا بالتوبة ولم يندموا على أفعالهم ليغسلوها بالتوبة، بل إنّهم بقوا على أفعالهم «وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ».
وهنا يمكن أن يسأل أحدكم: إنّ المنافقين إذا كانوا- حقيقة- بهذا البعد عن رحمة اللَّه، وعلى المسلمين أن لا يُظهروا أي ود أو محبّة تجاههم، فلماذا فضّلهم اللَّه تعالى ومنحهم كل هذه القوى الاقتصادية من الأموال والأولاد؟
في
الآية الاخرى
يوجه اللَّه سبحانه وتعالى الخطاب إلى النبي: «وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلدُهُمْ». فإنّها ليست منحة ومحبّة من اللَّه تعالى لهؤلاء المنافقين، بل على العكس تماماً، فإنّ هذه الأموال والأولاد ليست لسعادتهم، بل «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذّبَهُم بِهَا فِى الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ».
إنّ هذه الآية تشير إلى حقيقة وهي أنّ هذه الإمكانيات والقدرات الاقتصادية والقوى الإنسانية للأشخاص الفاسدين ليست غير نافعة لهم فحسب، بل هي- غالباً- سبب لإبتلائهم وتعاستهم، لأنّ أشخاصاً كهؤلاء لا هم يصرفون أموالهم في مواردها الصحيحة ليستفيدوا منها الفائدة البناءة، ولا يتمتعون بأبناء صالحين كي يكونوا قرة عين لهم ومعتمدهم في حياتهم. بل إنّ أموالهم تصرف غالباً في طريق الشهوات والمعاصي ونشر الفساد وتحكيم أعمدة الظلم والطغيان، وهي السبب في غفلتهم عن اللَّه سبحانه وتعالى، وكذلك أولادهم في خدمة الظلمة والفاسدين، ومبتلين بمختلف الانحرافات الأخلاقية، وبذلك سيكونون سبباً في تراكم البلايا والمصائب.
ية الأمر إنّ الذين يظنون أنّ الأصل في سعادة الإنسان هو الثروة والقوة البشرية فقط، أمّا كيفية صرف هذه الثروة والقوة فليس بذلك الأمر المهم، تكون لوحة حياتهم مفرحة ومبهجة ظاهراً، إلّاأنّنا لو اقتربنا منها واطلعنا على دقائقها، وعلمنا أنّ الأساس في سعادة الإنسان هو كيفية الاستفادة من هذه الإمكانيات والقدرات لعلمنا أنّ هؤلاء ليسوا سعداء مطلقاً.