مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٣ - ٩ سورة التوبة
التّفسير
خبث المنافقين: في هذه الآيات إشارة إلى صفة اخرى من الصفات العامة للمنافقين، وهي أنّهم أشخاص لجوجون معاندون وهمهم التماس نقاط ضعف في أعمال الآخرين واحتقار كل عمل مفيد يخدم المجتمع ومحاولة إجهاضه بأساليب شيطانية خبيثة من أجل صرف الناس عن عمل الخير. لكن القرآن المجيد ذم هذه الطريقة غير الإنسانية التي يتبعها هؤلاء، وعرّفها للمسلمين لكي لا يقعوا في حبائل مكر المنافقين ومن ناحية اخرى أراد أن يفهم المنافقون أنّ سهمهم لا يصيب الهدف في المجتمع الإسلامي. ففي البداية يقول: إنّ هؤلاء «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَايَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».
والمراد من جملة: «سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ» أنّ اللَّه سبحانه تعالى سيجازيهم على ما عملوا من الأعمال السيئة، أو أنّه تعالى سيحقرهم كما حقروا عباده وسخروا منهم.
ونلاحظ في الآية التي تليها تأكيداً أشد على مجازاة هؤلاء المنافقين، وتذكر آخر تهديد بتوجيه الكلام وتحويله من الغيبة إلى الخطاب، والمخاطب هذه المرّة هو النبي صلى الله عليه و آله فقالت:
«اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ».
وإنّما لن يغفر اللَّه لهم لأنّهم قد أنكروا اللَّه ورسالة رسوله، واختاروا طريق الكفر، وهذا الاختيار هو الذي أرداهم في هاوية النفاق وعواقبه المشؤومة «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». ومن الواضح أنّ هداية اللَّه تشمل السائرون في طريق الحق وطلب الحقيقة، أمّا الفساق والمجرمون والمنافقون فإنّ الآية تقول: «وَاللَّهُ لَايَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ».
إنّ نوع العمل هو المهم لا مقداره، وهذه الحقيقة في القرآن واضحة جلية، فالإسلام لم يستند في أيّ مورد إلى كثرة العمل ومقداره، بل هو يؤكّد دائماً- وفي كل الموارد- على أنّ الأساس هو نوع العمل وكيفيته.
المهم أنّ كل فرد يجب أن يبذل ما يستطيع، ولا يلتفت إلى مقدار عطائه، فليس المعيار كثرة العطاء وقلّته، بل الإحساس بالمسؤولية والإخلاص في العمل.
ومن هذه الواقعة تتّضح حقيقة اخرى، وهي أنّ المسلمين في المجتمع الإسلامي الواقعي السالم يجب أن يحسّوا جميعاً بالمسؤولية تجاه المشاكل التي تعترض المجتمع وتظهر فيه، ولا يجب أن ينتظروا الأغنياء والمتمكنين يقوموا وحدهم بحل هذه المشاكل والمصاعب، بل