مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٠ - ٩ سورة التوبة
على مدّعاهم. في البداية تذكر الآية أنّ هؤلاء المنافقين لا يرتدعون عن اليمين الكاذبة في تأييد إنكارهم، ولدفع التهمة فإنّهم «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا» في الوقت الذي يعلمون أنّهم إرتكبوا ما نسب إليهم من الكفر «وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ» وعلى هذا فإنّهم قد إختاروا طريق الكفر بعد إعلانهم الإسلام «وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلمِهِمْ». ومن البديهي أنّ هؤلاء لم يكونوا مسلمين منذ البداية، بل إنّهم أظهروا الإسلام فقط، وعلى هذا فإنّهم بإظهارهم الكفر قد هتكوا ومزّقوا حتى هذا الحجاب المزيف الذي كانوا يتسترون به. وفوق كل ذلك فقد صمّموا على أمر خطير لم يوفقوا لتحقيقه «وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا» ويمكن أن يكون هذا إشارة إلى تلك المؤامرة لقتل النبي صلى الله عليه و آله في ليلة العقبة، والتي مرّ ذكرها آنفاً، أو أنّه إشارة إلى كل أعمال المنافقين التي يسعون من خلالها إلى تحطيم المجتمع الإسلامي وبثّ بذور الفرقة والفساد والنفاق بين أوساطه، لكنّهم لن يصلوا إلى أهدافهم مطلقاً.
الجملة الاخرى تبين واقع المنافقين القبيح ونكرانهم للجميل فتقول الآية: إنّ هؤلاء لم يروا من النبي صلى الله عليه و آله أي خلاف أو أذى، ولم يتضرروا بأي شيء نتيجة للتشريع الإسلامي، بل على العكس، فإنّهم قد تمتعوا في ظل حكم الإسلام بمختلف النعم المادية والمعنوية «وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ» وهذه قمة اللؤم.
غير أنّ القرآن- كعادته- رغم هذه الأعمال لم يغلق الأبواب بوجه هؤلاء، بل فتح باب التوبة والرجوع إلى الحق على مصراعيه إن أرادوا ذلك، فقال: «فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ».
وهذه علامة واقعية الإسلام واهتمامه بمسألة التربية، ومعارضته لاستخدام الشدّة في غير محلّها وهكذا فتح باب التوبة حتى بوجه المنافقين الذين طالما كادوا للإسلام وتآمروا على نبيّه وحاكوا الدسائس والتهم ضده، بل إنّه دعاهم إلى التوبة أيضاً.
وفي نفس الوقت ومن أجل أن لا يتصور هؤلاء أنّ هذا التسامح الإسلامي صادر من منطق الضعف، حذّرهم بأنّهم إن استمروا في غيهم وتنكّروا لتوبتهم، فإنّ العذاب الشديد سينالهم في الدّارين «وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ» وإذا كانوا يظنون أنّ أحداً يستطيع أن يمدّ لهم يد العون مقابل العذاب الإلهي فإنّهم في خطأ كبير، فإنّ العذاب إذا نزل بهم فساء صباح المنذرين: «وَمَا لَهُمْ فِى الْأَرْضِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ».