مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦١ - ٩ سورة التوبة
إنّ القرآن المجيد يعلّم أتباعه في الآية محل البحث درساً قيّماً جدّاً، ويبين واحداً من أبرز مفاهيم التوحيد فيها، إذ يقول: لا يحق لأيّ مسلم طاعة إنسان آخر دون قيد أو شرط، لأنّ هذا الأمر مساو لعبادته، وجميع الطاعات يجب أن تكون في إطار طاعة اللَّه، وإنّما يصح إتباع الإنسان نظيره متى كانت قوانينه غير مخالفة لقوانين اللَّه، أيّاً كان ذلك الإنسان وفي أية مكانة أو منزلة.
وفي
الآية الثالثه
من الآيات محل البحث تشبيه طريف لسعي اليهود والنصارى، أو سعي جميع مخالفي الإسلام حتى المشركين، وجدّهم واجتهادهم المستمر «العقيم» الذي لا يعود عليهم بالنفع أبداً، إذ تقول الآية: «يُرِيدُونَ أَن يُطْفُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ».
ولا تعبير أبلغ من تعبير القرآن لتجسيد هذه المحاولات اليائسة، وفي الواقع فإنّ محاولات مخلوق ضعيف إزاء قدرة اللَّه التي لا نهاية لها، لا تكون أحسن حالًا ممّا ذكرته الآية.
الآية الأخيرة
من الآيات محل البحث في نهاية المطاف تزف البُشرى للمسلمين باستيعاب الإسلام العالم بأسره، وتكمل ما أشارت إليه- آنفاً- أنّ أعداء الإسلام لن يفلحوا في محاولاتهم ومناوآتهم بوجه الإسلام أبداً، وتقول بصراحة: «هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ».
والمقصود من
«الهدى»
هو الدلائل الواضحة، والبراهين اللائحة الجلية التي وُجِدت في الدين الإسلامي.
وأمّا المراد من
«دين الحق»
فهو هذا الدين الذي اصوله حقة وفروعه حقة أيضاً، وكل ما فيه من تاريخ وبراهين ونتائج حق، ولا شك أنّ الدين الذي محتواه حق، ودلائله وبراهينه حقة، وتأريخه حق جلي، لابدّ أن يظهر على جميع الأديان.
وبمرور الزمان وتقدم العلم وسهولة الإرتباطات، فإنّ الواقع سيكشف وجهه ويطلعه من وراء سُدُل الإعلام المضللة، وستزول كل العقبات والموانع والسدود التي وضعت في طريق انتشار الإسلام.
وهكذا فإنّ دين الحق سيستوعب كل مكان، ولا يحول بينه وبين تقدمه شيء أبداً، لأنّ الحركات المضادة للإسلام حركات مخالفة لسير التاريخ وسنن الخلق.