مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٣ - ٩ سورة التوبة
أوّلًا: إنّهم كتموا حقائق التعاليم التي جاء بها موسى عليه السلام في توراته وعيسى عليه السلام في إنجيله، لئلا يميل الناس إلى الدين الجديد، «الدين الإسلامي» فتنقطع هداياهم وتغدو منافعهم في خطر، كما أشارت إلى ذلك الآيات (٤١) و (٧٩) و (١٧٤) من سورة البقرة.
والثاني: إنّهم بأخذهم «الرشوة» كانوا يقلبون الحق باطلًا والباطل حقاً، وكانوا يحكمون لصالح الأقوياء، كما أشارت إلى ذلك الآية (٤١) من سورة المائدة.
ومن أساليبهم غير المشروعة في أخذ المال هو ما يسمّى ب «صكوك الغفران وبيع الجنة» فكانوا يتسلمون أموالًا باهظة من الناس.
وأمّا صدّهم عن سبيل اللَّه فهو واضح، لأنّهم كانوا يحرفون آيات اللَّه، أو أنّهم كانوا يكتمونها رعاية لمنافعهم الخاصة.
وتعقيباً على موضوع حب اليهود والنصارى لدنياهم وأكل المال بالباطل، فإنّ القرآن يتحدث عن قانون كلي في شأن أصحاب المال وذوي الثراء، الذين يكنزون أموالهم، فيقول:
«وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشّرهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ».
فالآية محل البحث تحرم الكنز وجمع المال، والثروة، وتأمر المسلمين أن ينفقوا أموالهم في سبيل اللَّه وما فيه نفع عباد اللَّه، وأن يتجنبوا كنزها ودفنها وإبعادها عن تحرك السوق، وإلّا فلينتظروا «العذاب الأليم».
وهذا العذاب الأليم ليس جزاءهم في يوم القيامة فحسب، بل يشملهم في الدنيا- لإرباكهم الحالة الاقتصادية ولإيجاد الطبقية بين الناس «الفقير والغني» أيضاً.
متى يعدّ جمع الثروة كنزاً؟ وفق كثير من الروايات أنّه يجب على الإنسان دفع زكاته سنوياً لا غير، فإذا دفع الإنسان زكاة سنته فلا يكون مشمولًا بحكم الكنز وإن جمع المال؟
ففي تفسير المنار عن ابن عباس قال: لمّا نزلت هذه الآية «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ» كبر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده، ثم سألوا النبي صلى الله عليه و آله فقال:
«إنّ اللَّه لم يفرض الزكاة إلّاليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنّما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم».
إلّا أنّنا نقرأ روايات اخرى في المصادر الإسلامية لا تنسجم ظاهراً- ولأوّل وهلة- والتفسير الآنف الذكر، ومنها ما ورد- في تفسير مجمع البيان- عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال:
«ما زاد على أربعة آلاف [١] فهو كنز أدّى زكاته أو لم يؤدّ، وما دونها فهو نفقة».
[١] المقصود بها أربعة آلاف درهم لأنّها مخارج السنة.