مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٩ - ٧ سورة الاعراف
المطالبة برؤية اللَّه: في هذه الآيات والآيات اللاحقة يشير سبحانه إلى مشهد مثير آخر من مشاهد حياة بني إسرائيل، وذلك عندما طلب جماعة من بني إسرائيل من موسى عليه السلام- بإلحاح وإصرار- أن يَروا اللَّه سبحانه، وأنّهم لن يؤمنوا به إذا لم يشاهدوه، فاختار موسى سبعين رجلًا من قومه واصطحبهم معه إلى ميقات ربّه، وهناك رفع طلبهم إلى اللَّه سبحانه، فسمع جواباً أوضح لبني إسرائيل كل شيء في هذا الصعيد. ففي الآيات الحاضرة يقول أوّلًا:
«وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ».
ولكن سرعان ما سمع الجواب من جانب المقام الرّبوبي: كلا، لن تراني أبداً «قَالَ لَن تَرَينِى وَلكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَينِى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا» [١].
فلمّا رأى موسى هذا المشهد الرهيب تملكه الرعب إلى درجة أنّه سقط على الأرض مغمىً عليه «وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا».
وعندما أفاق قال: ربّاه سبحانك، أنبتُ إليك، وأنا أوّل من آمن بك «فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ».
هل يمكن رؤية اللَّه أساساً؟ نقرأ في الآية الحاضرة أنّ اللَّه سبحانه قال لموسى: «انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَينِى» فهل مفهوم هذا الكلام هو أنّ اللَّه قابل للرؤية أساساً؟
الجواب هو أنّ هذا التعبير هو كناية عن استحالة مثل هذا الموضوع، مثل جملة «حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمّ الْخِيَاطِ» وحيث كان من المعلوم أنّ الجبل يستحيل أن يستقر في مكانه عند تجلّي اللَّه له، لهذا ذكر هذا التعبير، كما أنّ مفهوم جملة «لَن تَرَينِى» إنّك لا تراني لا في هذا العالم ولا في العالم الآخر.
وعلى هذا الأساس، إذا جاء في الأحاديث والأخبار الإسلامية أو الآيات القرآنية عبارة «لقاء اللَّه» فإنّ المقصود هو المشاهدة بعين القلب والعقل.
[١] «دك»: في الأصل بمعنى سوّى الأرض، وعلى هذا فالمقصود من عبارة «جعله دكّاً» هو أنّه حطم الجبال وسواها كالأرض وجاء في بعض الرّوايات أنّ الجبل تناثر أقساماً، سقط كل قسم منه في جانب أو غار في الأرض وتلاشى نهائياً.