مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٤ - ٧ سورة الاعراف
فقال في معرض الردّ عليهم: أنا لست بضال، بل ليست فيّ أية علامة للضلال، ولكني مرسل من اللَّه «قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِى ضَللَةٌ وَلكِنّى رَسُولٌ مّن رَّبّ الْعَالَمِينَ».
وهذه إشارة إلى أنّ الأرباب التي تعبدوها كلها لا أساس لها من الصحة، ورب العالمين ما هو إلّااللَّه الواحد الذي خلقها جميعاً وأوجدها من العدم. ثمّ إنّ هدفي إنّما هو إبلاغ ما حمّلت من رسالة «أُبَلّغُكُمْ رِسلتِ رَبّى».
ولن آلو جهداً في تقديم النصح لكم، وقصد نفعكم، وإيصال الخير إليكم «وَأَنصَحُ لَكُمْ».
ثمّ أضاف تعالى: «وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَاتَعْلَمُونَ».
إنّ هذه العبارة يمكن أن يكون لها جانب تهديد في مقابل معارضاتهم ومخالفتهم، وكأنّه يريد أن يقول: أنا أعلم بعقوبات إلهية أليمة تنتظر العصاة لا تعلمون شيئاً عنها، أو تكون إشارة إلى لطف اللَّه ورحمته، وتعني أنّكم إذا أطعتم اللَّه، وكففتم عن تعنتكم، فإنّي أعلم مثوبات عظيمة لكم لا تعلمونها ولم تقفوا لحد الآن على سعتها.
وفي
الآية اللاحقة
نقرأ لنوح كلاماً آخر قاله في مقابل استغراب قومه من أنّه كيف يمكن لبشر أن يكون حاملًا لمسؤولية إبلاغ الرسالة الإلهية، إذ قال: «أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ».
يعني: أيّ شيء في هذه القضية يدعو إلى الإستغراب والتعجب، لأنّ الانسان الصالح هو الذي يمكنه أن يقوم بهذه الرسالة أحسن من أي كائن آخر.
ولكن بدل أن يقبلوا دعوة مثل هذا القائد المخلص الواعي فقد كذّبه الجميع، فأرسل اللَّه عليهم طوفاناً فغرق المكذبون ونجا في السفينة نوح ومن آمن «فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِى الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بَايَاتِنَا».
وفي خاتمة الآية ذكر دليل هذه العقوبة الصعبة، وأنّه عمى القلب الذي منعهم عن رؤية الحق، وأتباعه «إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ» [١].
[١] «عمين»: جمع عمي، وهو يطلق عادة على من تعطلت بصيرته الباطنية، ولكن الأعمى يطلق على من فقد بصره الظاهري، وكذلك يطلق على من فقد بصيرته الباطنية أيضاً.