الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٨ - ٥- الأخلاق والحريّة
«إنّ تقوى اللَّه مفتاحُ سَدادٍ، و ذخيرةُ مَعادٍ، وعتقٌ من كلّ مَلكةٍ، ونجاةٌ من كلّ هلكةٍ» [١].
و ممّا ذُكر آنفاً، تتجلى الحريّة الحقيقيّة من الكاذبة، ويتمّ منع إستغلال هذا المفهوم المقدّسُ في طريق الإنحراف و الزّيغ، فلا يحقّ لأحدٍ أن يتذرّع، بكبتِ الأخلاق لطاقاتِ الإنسان، و يستشكِل على القِيم الأخلاقيّة.
وممّا تقدّم أيضاً، تتّضح الإجابة على من يدّعي، قمع الأخلاق للغرائز، و أنّ اللَّه تعالى خلق الغرائز في الإنسان، لتحقيق الغرض منها، وأشباعها بأدوات الحريّة و التّحرر من قيود الأخلاق.
فالغرائز في الإنسان، مثلها كمثل قطراتُ المطر، تنزل من السّماء بِقدرٍ لتُحيي الأرض، و لولا فائدتها، لما أنزلها الباري تعالى، ولكن هذا لا يعني فسح المجال لتلك القطرات لِتَتجَمَّع، و تكوّن السّيول لإهلاك الحرث و النّسل، بل يجب أن تُقام السّدود في طَريقها، و فتح منافذ صغيرة منها لتمد الحياة البشرية بالماء، و تكون الفائدة فيها أعمّ و أشمل، فيما لو سيطر عليها الإنسان، و أخضعها لضوابط معيّنة، وكذلك الحال بالنّسبة لغرائز الإنسان، فإذا اطلق لها العِنان، فستبُيد كلّ شيٍء أمامها، و تدّمر كلّ شيٍء في حركةِ الحياة الفرديّة و الإجتماعية للإنسان.
و يُستنتج مما ذُكر سابقاً، أنّ الأخلاق لا تقف سدّاً في طريق الإنسان، و لا تمنعه من ترشيد قابلياته و ملكاته، و لا تقمع الغرائز في واقعه، بل إنّ الأخلاق وسيلةٌ للوصول للكمال المنشود، في حركة الإنسان والحياة.
ومن خلال التّفسير الصّحيح للحرية، الذي ذكرناه آنفاً تتّضح الإجابة على أسئلة المخالفين للأخلاق.
[١]. نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٠.