الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٦ - ٥- الأخلاق والحريّة
هذا التّناقض في الأقوال، إن دلّ على شي، فهو دليلٌ على عدم التّقييم الصّحيح لمفهوم الحرّية، هذا من جهةٍ، و من جهةٍ اخرى لم تُدرس الأخلاق الدينيّة، و خصوصاً الأخلاق الإسلاميّة، دراسةً كافيةً و وافيةً.
ولذلك يجب أن ندرس في بادي الأمر، مسألة الحريّة. و لماذا يطلب الإنسان الحريّة بكلّ وجوده؟، و لماذا يجب أن يكون الإنسان حرّاً؟، و ما هو دور الحريّة في تربية الجسم و الرّوح؟، و بكلمةٍ واحدةٍ: ما هي «فلسفُة الحريّة»؟.
إنّ الجواب على كلّ هذه الأسئلة يتلخّص في ما يلي:
يوجد في داخل الإنسان قابلياتٌ و ملكاتٌ و قوى خفيّةٌ، لا تخرج من القوّة إلى الفعل إلّا بالحريّة، والإنسان يسعى للتّكامل، و يتحرك على مستوى ترشيد إستعداداته و قُدراته، فهو يطلب الحريّة لأجل ذلك.
ولكن هل أن الحرّية التي تساعد على تفعيل قدرات الإنسان، هي حرية بلا قيد ولا شرط، أم أنّها الحريّة المتحرّكةِ في إطارٍ من التّنظيرٍ العقلي و الدّيني؟.
و يُمكن تبيان هذا المطلب مع ذكر مثالين:
إفترضوا أنّ هناك فلّاحاً، قررّ أن يزرع أنواع الورود والفواكه في بستانه، و تحرّك لتحقيق هذا الغرض، على مستوى حرث الأرض و غرس النّباتات وسقيها في موعدها في كلّ مرّةٍ، فَمن البديهي أن تكون الشّجرة مغروسةً في الفضاء الحرّ، لتأخذ قِسطها من النّور و الهواء و المطر، و ستمدّ جذورها في الأرض بحرّيةٍ، و إذا لم تتوفرلها تلك العوامل، فلن تثمرَ ولن يحصلَ الفلّاح على ثمن أتعابه، وبناءاً على ذلك، فإنّ حريّة الجذور و الأوراق، ضروريّة لكي تعطي الثمر، ولكن من الممكن أن ينحرف غُصن من الأغصان في تلك الشّجرة، فيقطعه الفلّاح بلا رحمةٍ و لا رأفةٍ، لأنّ هذا الغَصن يستهلك قوّة الشّجرة، فلا أحد له الحقّ في الإعتراض على الفلّاح، بسبب هذا العمل.
و يمكن أن يُقَوِّم الفلّاح الشّجرة المائلة، أو الفرع المعوّج، بشدّه إلى خشبةٍ مستقيمة، فكذلك لا حقّ لأحدٍ أن يعترض عليه في ذلك، و يقول له: لماذا قيّدت الشّجرة بهذا القيد، ولم