الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩ - تفسير و إستنتاج
لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» و قال و بكلّ تكبّر و غُرور: «قالَ إِنَّما اوتيْتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي».
يعني أنّ اللَّه لا دخل له في وفور النّعمة عليّ، ولكنّ علمي ودرايتي بالامور هي السّبب في ذلك؛ وهكذا أودى به الكِبَر و الغُرور إلى السّقوط في وادي إنكار الآيات الإلهيّة، و بالتّالي التّحرك من موقع التعاون مع أعداء الحقّ و العدالة، و في لحظةٍ وحادثةٍ عجيبةٍ، خُسِفَت به وَ بِأمواله الأرض.
وهنا نرى كيف أنّ الرّذائل الأخلاقيّة، بإمكانها تغيير وجوه الأشخاص و المجتمعات، و منعهم من الوصول إلى الخير والسّعادة.
و الطّريف في الأمر، أنّنا نقرأ في الآيات التي قبلها، بأنّ قومه قالوا له: «إِذْ قالَ لَهُ قَومُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الفَرِحينَ».
ومن البديهي أنّ الإسلام لا يعارض الفرح و السّرور، ولكنّ المقصود هنا الفرح النّاشيء من الغَفلة و الغرور و نِسيان اللَّه تعالى، و المقترن بالظّلم و الفساد و مُمارسة الخطيئة والذي بدوره يجرّ الإنسان لِلعربدة و الجُموح والفساد، وكلّ ذلك منشؤه الصّفات القبيحة التي تضرب بجرانها في القلب.
«الآية السادسة»: نقرأ فيها شكوى النّبي نوح عليه السلام إلى الباري تعالى، فنرى في طيّاتها معانٍ تُشير إلى تأثير أعمال الإنسان، و الأخلاق التي تدعم تلك الأعمال، في الحياة الفرديّة و الإجتماعيّة للإنسان، فيقول: «فَقُلْت اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كانَ غَفّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيكُم مِدْراراً* وَيُمْدِدكُم بِأَمْوالٍ وَبَنَينَ* وَيَجْعَلْ لَكُم جَنَّاتٍ وَ يَجعَلْ لَكُم أَنهاراً».
وفي الإستمرار في قراءة تلك الآيات، نرى عصيانهم وتمرّدهم على الأوامر الإلهيّة، وكذلك تبيّن الآيات صفاتهم القبيحة، و التي هي بمثابة المنَبع الآسن الذي يمدهم بالذّنوب.
ويمكن القول أنّ ما ذُكر آنفاً، هو العلاقة المعنويّة و الإلهيّة بين الإستغفار وترك الذنوب، و بين زيادة النعم، ولا يوجد منع من سراية هذه العلاقة لتشمل البُعد الظّاهري و البُعد المعنوي، لذلك نقرأ في آيةٍ اخرى من القرآن الكريم: «ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيدِي النّاسِ» [١].
[١]. سورة الروم، الآية ٤١.