الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٥ - تفسير و استنتاج
الشّيطان الرجيم، وكانت تتمنى دائماً أن يكون من خُدّام بيت اللَّه، بل نذرت أن يكون وليدها كذلك.
فتقول الآية الكريمة: «فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً».
تشبيه الإنسان الطّاهر بالنبات الحَسن، هو في الحقيقة إشارةٌ إلى أنّ الإنسان كالنبات، يجب ملاحظته ملاحظةً دقيقةً، فالنبات ولأجل أن ينبت نباتاً حسناً مثمراً، يجب في بادىء الأمر الإستفادة من البذور الصّالحة، و الإعتناء به من قبل الفلّاح في كل مراحل رشده، إلى أن يصبح شجرةً مثمرةً، فكذلك الطفل في عَمليّة التربية، حيث ينبغي التّعامل معه من منطلق الرّعاية و العناية، و تربيته تربيةً صحيحةً، لأنّ عامل الوراثة يؤثر في نفسه وروحه، و الاسرة التي يعيش فيها، و كذلك البيئة والمحيط الذي يَتعايش معه، كلّها تمثل عناصر ضاغطة في واقعه النّفساني و المزاجي.
و الجدير بالذّكر، أنّ اللَّه سبحانه جاء بجملة: «وكَفّلَها زكَريا» في ذيل الآية، وهي الكفالة لمريم عليها السلام [١]، و معلوم حال من يتربى على يد نبيٍّ من أنبياء اللَّه تعالى، بل اللَّه تعالى هوالذي إختاره لكفالتها ورعايتها.
فلا غرابة والحال هذه، أن تصل مريم عليها السلام لدرجاتٍ ساميةٍ، من الإيمان و التّقوى، و الأخلاق و التربية، ففي ذيل هذه الآية، يقول القرآن الكريم:
«كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الِمحرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ».
نعم فإنّ التربية الإلهيّة: تُثمر الأخلاق الإلهيّة، و الرزق من اللَّه في طريق التّكامل المعنوي للإنسان.
وقد ورد في «الآية الثالثة»: مقدّمةٌ لقضية مريم عليها السلام، و كفالة زكريّا عليه السلام لها، وفيها الكلام عن تأثير العامل الوراثي، و عامل التربية في تكريس الطهارة و التقوى و الفضيلة، في مضمون
[١]. يجب التنويه إلى أنّ «كفل»، إذا قُرىء بدون التّشديد، يعنى: التّعهد بالإدارة والكفالة، وا ذا قُرىء بالتّشديد بمعنى: إختيار الكفيل لآخر، وبناءً على ذلك فإنّ اللَّه تعالى إختار زكريّا عليه السلام لتربية مريم عليها السلام، «وكفّل»: أخذ مفعولين، أحدهما: (هاء)، يعود إلى مريم عليها السلام، و الآخر إلى: زكريا عليه السلام.