الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤ - الإسلام ينفي نسبيّة الأخلاق
للمجتمعات البشرّية دور في صياغة القيم في هذا المجال، فنقرأ في الآية (١٠٠) من سورة المائدة: «قُل لا يَسْتَوي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَو أَعْجَبَكَ كَثرَةُ الخَبِيثِ».
وفي الآية (١٥٧) من سورة الأعراف في وضعها للرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «وَيُحِلُّ لَهُم الطَّيِّباتِ وَيُحَرِمُ عَلِيهِم الخَبَائِثَ».
و في سورة البقرة الآية (٢٤٣) يقول الله تعالى: «إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لايَشكُرُونَ».
وفي الآية (١٠٣) من سورة يوسف عليه السلام يقول الله تعالى: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَو حَرَصْتَ بِمُؤمِنينَ».
في هذه الآيات يُعتبر الإيمان و الطّهارة و الشّكر، من القيم والمُثل وإن كان أكثر الناس يخالفون ذلك، والكفر و الخُبث و كفران النعمة، تعتبر في مقابل القِيم، رغم أنّ الأكثريّة تتحرك في هذا الخط.
وقد ذكر أميرالمؤمنين عليه السلام، هذا المعنى كثيراً في خُطَبِه في نهج البلاغة. و أنّ قبول و عدم قبول الأكثريّة لُخلقٍ أو عملٍ ما، لا يكون مِعياراً للفضيلة و الرّذيلة و كذلك الحُسن و القُبح.
فقال الإمام عليه السلام في خطبةٍ: «يا أَيّها النّاسُ لا تَستَوحِشُوا في طَرِيقِ الهُدى لِقِلَّةِ أَهلِهِ فإنَّ النّاسَ قَد إِجتَمَعُوا عَلى مائِدةٍ شِبَعِها قَصِيرٌ وَجُوعِها طَوِيلٌ». [١]
وقال في خطبة اخرى: «حَقٌّ وَ باطِلٌ، وَلِكلٍّ أهلِ؛ فَلإن أمِرَ الباطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ وَ لإن قَلَّ الحَقُّ فَلَرُبَّما وَلَعَلّ» [٢].
فكلّ هذه النّصوص الإسلاميّة تنفي النسبيّة في الأخلاق، و لا تعتبر قبول الأكثريّة في المجتمع معياراً لها.
ويوجد في القرآن الكريم والروايات الإسلاميّة، شواهد كثيرة على هذه المسألة، لو جمعت لبلغت كتاباً كبيراً.
[١]. نهج البلاغة، الخطبة ١ و ٢.
[٢]. نهج البلاغة، الخطبة ١٦.