الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٠ - تفسير و إستنتاج
و تشيرُ «الآية الخامسة»، إلى تطهير النّفس، بواسطة «الزّكاة»، و التي بدورها تُعتبر، من العبادات الإسلامِيَّةِ المُهِمَّةِ، في ديننا الحنيف، فتقول: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا».
و جُملة: «تُزكيّهم بها»، هي دليلٌ واضحٌ على هذه الحقيقة، و هي أنّ الزّكاة تعمل على تطهير النفس، من البَخل و الحِرص و حُبِّ الدنيا، وتزرع في نفسه صفة الكرم، و حبّ الخير لِلناس، وتثير في نفسه الحركة، على مستوى حمِاية الفقراء و المحتاجين.
و ما ورد من روايات في هذا الصدد، تبيّن هذه الحقيقة أيضاً، ومنها الحديث النبوي الشريف: «ما تَصَدَّقَ أَحَدُكُم بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ- وَلا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّاالطّيِّبَ-، إلّاأَخَذَها الرَّحمانُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كانَتْ تَمْرَةً فَتَربُو مِنْ كَفِّ الرَّحمانِ في الجِنان حَتّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الجَبَلِ»[١].
ا الحديث الشّريف يبيّن تلك العلاقة الوثيقة المباشرة، بين هذه العبادة المهمّة و بين توطيد العلاقة مع اللَّه تعالى، و تفعيل الحالات المعنوية في واقع الإنسان ومحتواه الداخلي.
و تتحرك «الآية السّادسة»، من موقع الإشارة إلى عبادة مهمّةٍ اخرى، و هي عبادة:
«الذِّكر»، للَّهِ تعالى، و ما لَها من دورٍ في بعث الطّمأنينة، في واقع الرّوح فتقول: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ».
فالطّمأنينة تقترنُ دائماً مع التّوكل على الباري تعالى؛ و عدم الوقوع في أسر الماديّات والامور الدنيويّة، من الإنخداع بِبَريق الدُنيا، و الطّمع و البُخل و الحَسد و ما شابهها من الامور، فَمع وجود هذه الحالات السّيئة في واقع النفس، فسوف لن يذوق الإنسان معها الرّاحة و الطّمأنينة.
و عليه، فإنّ ذكر اللَّه تعالى بإمكانه إزالة هذه الصّفات السّلبية عن القلب، و تطهير النّفس منها لِتَتَهيأ الأرضيّة المساعدة، في تَفتّح براعم السّكينة و الطّمأنينة في واقع القلب و الرّوح.
أو بتعبيرٍ أدق، إنّ جميع الإضطرابات الرّوحية، و أشكال القلق النّفسي، في واقع الذّات
[١]. صحيح مسلم، ج ٢، ص ٧٠٢، طبع بيروت.