الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٣ - موانع معرفة النّفس
تشخيص أغلب الأمراض، بالأشعّة السّينيّة، و السّونار، و المختبرات المختلفة لتحاليل الدّم والبول، وما شابهها من الامور، حيث يستطيع الطّبيب بمعونتها، من تشخيص مواضع الخلل البدني بدقةٍ، و بالتالي يكون بإمكانه، وضع الأدوية والعلاجات لذلك المرض، و كذلك الحال في الأمراض الروحيّة و النفسيّة على مستوى التّشخيص والمعالجة، فإنّنا إن لم نشخّص أمراضنا الرّوحيّة، بمساعدة الطّبيب الحقيقي للنفس، ولم نتمكن من العثور على جذور الرّذائل الأخلاقيّة، في واقعنا النّفسي، فسوف لا يمكننا الوصول إلى طريقةٍ لعلاج هذه الأمراض، و جُبران مواضع الخَلل في عالم النّفس.
ولكن أغلب الناس، يتجاهلون الأعراض الخطيرة للأمراض، وذلك لِغَلبة الأنانيّة عليهم وحبّ الذات، الذي لا يسمح لهم برؤية النّقص على حقيقته، وهذا الهروب من الحقيقة، غالباً ما ينتهي إلى عواقب غير حميدة، ولا يتوجه إليها الإنسان إلّابعد فوات الأوان، و بعد تجاوز المرض مرحلة العلاج، ففي الأمراض الأخلاقيّة، و الإنحرافات النّفسية، غالباً ما يكون حبّ الذات و الأنانية، مانعاً قويّاً لِلناس، يحول دون معرفة صفاتهم الرّذيلة، و عيوبهم الأخلاقيّة و الإعتراف بها، بل ويتذرعون بالأعذار المختلفة، في عملية التغطية اللّاشعورية، على تشوّهات الأنا ليكون الشّخص متعالياً عن النّقد و النّقص، و بذلك يعيش مثل هذا الإنسان، حالةَ الوَهم في ثياب الواقع.
و الحقيقة أنّ الأعترافَ بالخطأ فَضيلةٌ، ويحتاج إلى عزمٍ جدّي، و إرادةٍ راسخةٍ، و إلّافان الإنسان سيتحرك على مستوى تغطية عيوبه، و يُدرجها في طيّ النسيان، ليخدع بها نفسه و من حواليه، بالظّواهر الخادعة والعناوين الزائفة.
نعم فإنّ الوقوف على العيوب و النقص، في واقع الذّات أمرٌ مرعبٌ و مريعٌ، و غالبيّة النّاس يهربون من واقعهم في حركة الحياة، ولا يريدون أنّ يعترفوا بأخطائهم من موقع تحمّل المسؤوليّة، لكنّ الهروب من الحقيقة، سيعود بالضّرر الكبير على صاحبه، و سيدفع الإنسان الّثمن غالياً على المستوى البعيد، جرّاء ذلك!. و على كلّ حال، فإنّ المانع الحقيقي، و الحِجاب الأصلي لمعرفة الذّات، هو حجاب حبّ الذّات، و الأنانيّة و التّكبر، وما لم تنقشع هذه الحُجب،