الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٤ - موانع معرفة النّفس
و تلك الغَشاوات عن النّفس، فلن يستطيع الإنسان أن يعرف ذاته، و نوازعها وستغلق دونه أبواب المعرفة الاخرى، التي تريد به النّهوض و الوصول إلى الحقّ، في خطّ التّكامل المعنوي، و التّحذيرات التي صدرت من رسولنا الكريم صلى الله عليه و آله، شاهدٌ حيٌّ على مدّعانا، منها:
«إذا أَرادَ اللَّهُ بِعَبدٍ خَيراً فَقَّهَهُ في الدِّينِ وَزَهّدَهُ في الدُّنيا وَبَصَّرَهُ عُيوبَهُ» [١].
و قال أميرالمؤمنين عليه السلام، في حديثٍ آخر: «جَهْلُ المَرءِ بِعُيوبِهِ مِنْ أَكبَرِ ذُنُوبِهِ» [٢].
و يُفرض علينا هذا السؤال نفسه، وهو أنّه كيف يستطيع الإنسان، أن يُزيل تلك الغَشاوات و الحُجب، التي ترين على نفسه و روحه؟.
هنا أتحفنا الفيض الكاشاني في هذا المجال، بنصائح قيمةٍ، فقال:
(اعلم أنّ اللَّه تعالى، إذا أراد بعبدٍ خيراً بصّره بعيوب نفسه، فَمن كَملت بَصيرته لم تخف عليه عيوبه، و إذا عرف العيوب أمكنه العلاج، ولكنّ أكثر الخلقِ جاهلون بعيوب أنفسهم، يرى أحدهم القَذى في عينِ أخيه و لا يرى الجذع في عينه هو، فمن أراد أن يقف على عيب نفسه، فله أربع طُرق:
الأوّل: أنّ يجلس بين يدي بصيرٍ بعيوب النّفس، مطّلعٌ على خَفايا الآفات، و يحكّمه على نفسه، و يتّبع إشارته في مجاهداته، وهذا قد عزّ في هذا الزمان وجوده.
الثاني: أن يطلب: صديقاً صدوقاً بصيراً متديّناً، فينصبه رقيباً على نفسه، ليُراقب أحواله وأفعاله، فما يكرهه من أخلاقهِ و أفعاله و عيوبه الباطنة و الظّاهرة، ينبّهه عَلَيها. فهكذا كان يفعل الأكابر من أئمّة الدّين، كان بعضهم يقول: «رحم اللَّه إمرءً أهدى إليّ عيوبي» [٣]، وكلّ من كان أوفر عقلًا و أعلى منصباً، كان أقلّ إعجاباً و أعظم اتّهاماً لنفسه، إلّاأنّ هذا أيضاً قد عزّ، فقلّ في الأصدقاء من يترك المُداهنة، فيخبر بالعَيب، أو يترك الحسد فلا يزيد على القدر الواجب، فلا يَخلو أصدقاؤك عن حَسودٍ، أو صاحب غرض، يرى ما ليس بعيب عيباً، أو عن
[١]. نهج الفصاحة، ص ٢٦، وورد نفس هذا المعنى عن الإمام الصّادق عليه السلام، في اصول الكافي، ج ٢، ص ١٣٠.
[٢]. بحار الأنوار، ج ٧٤، ص ٤١٩.
[٣]. تُحف العقول، ص ٣٦٦.