الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٠ - ٤- الدّعامة الإلهيّة
تعالى: «وَلَولا فَضلُ اللَّهِ عَلَيكُم وَرَحْمَتُهُ ما زَكّى مِنْكُم مِنْ أحَدٍ أبَداً وَلَكنّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ...».
و عليه، فإنّ سمُوّ الأخلاق و العمل و التّزكية الكاملة لا تتمّ، إلّابالإيمان باللَّه ورحمته الواسعة.
وجاء نفس هذا المعنى في سورة (الأعلى) فيقول الله تعالى:
«قَدْ أَفلَحَ مَن تَزَكّى* وَذَكَرَ إسمَ رَبّهِ فَصَلّى» [١].
فطبقاً لهذه الآيات، فإنّ التّزكية الأخلاقيّة و العمليّة، لها علاقةٌ وثيقةٌ بإسم اللَّه تعالى و الصّلاة والدّعاء، هذا إذا ما إستمدّت أسسها منه سُبحانه و تعالى، وحينها ستكون عميقةً و دائمةً، وإذا ما إعتمدت على أسسٍ اخرى، فستكون واهيةً و عديمة المحتوى.
في الآية (٩٣) من سورة المائدة، جاء وصف جميل، للعلاقة الوثيقة بين التّقوى والأعمال الأخلاقيّة بالإيمان: فقال الله تعالى: «لَيسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِي ما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتّقَوا وَآمَنُوا ثُمَّ اتّقَوا وَأحسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الُمحسِنِينَ».
في هذه الآية الشّريفة، تقدّمت التّقوى مرّة على الإيمان والعمل الصّالح، و تأخرت اخرى، و تقدمت مرّةً على الإحسان، لأنّ التّقوى الأخلاقيّة و العمليّة تتقدم على الإيمان في مرحلةٍ ما، و هي التّحضير لقبول الحقّ والإحساس بالمسؤوليّة للبحث عنه.
ثم إنّ الإنسان عندما يعرف الحقّ و يؤمن به، فستتكون في نفسه مرحلةٌ أعلى و أقوى من التّقوى، و تكون مصدراً لأنواع الخيرات.
وبهذا التّرتيب، تتبيّن العلاقة الوثيقة بين الإيمان و التّقوى.
وخلاصة القول: إنّ أقوى وأفضل الدّعائم للأخلاق، هو الإيمان باللَّه، والإحساس بالمسؤوليّة تّجاهه، ومثل هذا الإيمان هو أبعد مدىً وأرحب افقاً من المسائل المادّية، و لا يبدّل ولا يعوّض بشيٍء، فهو يرافق الإنسان في كلّ مكان ولا ينفصل عنه أبداً، ولا يوجد شيء أفضلُ منه.
[١]. سورة الأعلى، الآية ١٤ و ١٥.