الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٠ - النظريّة الثالثة نظريّة السّير و السّلوك
الطّريق الموصل إليه، هو علمٌ غير علم الأخلاق، و منفصلٌ عنه، ولكن و بنظرةٍ أوسع، نرى أنّ السير و السّلوك الرّوحي، يلتقي في نفس الطّريق التي تهدف إليه التربية الأخلاقية، و تحصيل الفضائل في خط التّكامل المعنوي، أو على الأقل أنّ الأخلاق الإلهيّة هي أحد أبعاد السّير و السّلوك الرّوحاني.
وعلى أيّة حال، فإنّ الآيات و الروايات، أشارت إلى هذه النّظرية أيضاً، ومنها: الآية (١٥٦) من سورة البقرة، حيث تقول: «الَّذِينَ إذا أَصابَتْهُم مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا للَّهِ وَإِنّا إِلِيهِ راجِعُونَ».
فمن جهةٍ، يرى الإنسان نفسه أنّه مُلكٌ للَّهتعالى، و من جهةٍ اخرى، يرى نفسه أنّه مُسافر، و يتحرّك بإتّجاه اللَّه تعالى شأنه.
و نقرأ أيضاً في سورة العَلق: «إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجعى» [١].
وجاء في سورة الإنشقاق: «يا أَيُّها الإنسانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدحاً فَمُلا قِيهِ» [٢].
و جاء في سورة الرّعد: «رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَونَها ... يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُم بِلَقاءِ رَبِّكُم تُوقِنُونَ» [٣].
ويوجد أكثر من (٢٠ آية)، تحدثت عن أن لقاء اللَّه تعالى، في الواقع هو مقصود السّالكين إلى اللَّه والعارفين به، و يعني اللّقاء المعنوي و الرّوحي مع المحبوب، و المقصود الذي لا مثيل له.
و صحيحٌ أنّ هذه الآيات، و آياتُ الرّجوع إلى اللَّه تعالى، تستوعب جميع هذه المعاني، ولكن هذا لا يمنع من أنّ سير وسلوك المؤمن و الكافر، من ناحية الفِطرة والخلقة، هو بإتّجاه الباري تعالى، فبعضٌ ينحرف عن طريق الفطرة، فيسقط في وادٍ سحيقٍ، ولكن أولياء اللَّه و مع إختلافهم بالمراتب، يصلون إلى المقصود، مثل الحيامن التي تسير جميعاً في عالم الرّحم لِتكوين الجَنين، فبعضها تموت في المراحل الأولى بسبب بعض الآفات، و تتوقف عن الحركة، وبعضها يستمر في طريقه، ليصل أحدها إلى الهدف.
و أفضل و أوضح من هذه التّعابير، هو تعبير القرآن الكريم، حيث يقول: «إِنَّ خَيرَ الزَّادِ
[١]. سورة العلق، الآية ٨.
[٢]. سورة الإنشقاق، الآية ٦.
[٣]. سورة الرّعد، الآية ٢.