الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠ - تفسير و إستنتاج
وقد ورد هذا المعنى في سورة هود بشكل آخر على لسان الرسول صلى الله عليه و آله، في خطابه لُمشركي مكّة: «وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُمَتِّعُكُم مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمّىً» [١].
لا شك أنّ الّتمتع «بالمتاع الحسن»، لأجلٍ مُسمّى، هو إشارةٌ إلى المواهب الماديّة الدنيويّة، فهي رهينة الإستغفار و التّوبة من الذّنب، و العودة إلى الباري تعالى، و التّخلق بالأخلاق الحسنة.
ولا شكّ أنّ الصّفات القبيحة هي الأساس والأصل لأنواع الذّنوب، و الذّنوب بدورها سبب لنشر الفساد في المجتمع وتفكيك لِعُرى الوحدة، و أواصر الصّداقة و الاخوّة والإعتماد بين الناس، و بالتّالي التّأخر في العُمران و الّنمو الإقتصادي و الرّفاه المادي، و التّكامل المعنوي وسلامة النّفوس.
وفي «الآية السابعة»: إشارةٌ إلى حالة أهل الكتاب وعصيانهم وطغيانهم، فيقول: «وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْانْجْيلَ وَما انْزِلَ إِلَيْهِمْ مِن رَّبِّهِمْ لَاكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ امَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ».
ونرى هنا أيضاً تقريراً، للعلاقة الوطيدة بين العمل الصالح و التّقوى من جهةٍ، و نزول البركة السّماوية والأرضية من جهةٍ اخرى، وهذه العلاقة يمكن أن تحمل الجانب المعنوي أو الطّبيعي، أو بالأحرى الإثنين معاً.
نعم فإنّ الفيوضات الإلهيّة لا حدّ لها، ويتوجب علينا تحصيل الأهليّة و القابليّة، لنتصل بالمصدر الأصلي للفيض، ولكن الإفراط و التّفريظ و العُدول عن جادّة الإعتدال و التّوازن، سوّدت وجه الحياة الإنسانيّة، و سلبت منها الراحة.
فالحروب المدمّرة تعرّي النفوس الإنسانيّة من الفضيلة و الصّلاح، و تُزهق الثّروات الماديّة و المعنويّة، و تفضي بالإنسان إلى الزّوال.
[١]. سورة هود، الآية ٣.