الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٧ - الخطوة الثّالثة المراقبة
و السّائر في خطّ التّوبة و المراقبة، يعيش الحالة هذه أيضاً، فإنّ الشّياطين من الجِنّ و الإنس مُترصّدون لِغوايته، هذا بالإضافة إلى النّفس الأمّارة، و هوى النّفس، فإذا لم يُراقب نفسه و أعماله، فلا يأمن معها، مِنْ أن تسرق جوهرة الإيمان و التّقوى، و ينتقل من هذه الدنيا، خالي الوفاض وصفَر اليدين، و في الآيات و الرّوايات إشاراتٌ كثيرةٌ، و تلميحاتٌ متنوعةٌ حول هذه المرحلة، ومنها:
١- الآية (١٤) من سورة العَلَق: «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى».
فهي إشارةٌ إلى مراقبة اللَّه تعالى لَه، وعليه مُراقبة أعماله أيضاً.
وَوَجَّه في آيَةٍ اخرى الخطاب لِلمؤمنين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اْتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ آتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون» [١].
فَجُملة: «وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ...»، تبيّن لنا في الحقيقة مفهوم المراقبة للنفس، على مستوى السّلوك و العمل.
وَ وَرَد نفس المعنى، ولكن بشكلٍ مُقتضبٍ، في سورة عَبَس، الآية (٢٤): «فَلْيَنْظُرْ آلْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ»، (من الحلال والحرام) [٢].
٢- ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، في تفسير الإحسان في الآية: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ»، فقال: «الإحسانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَراهُ فَإِنْ لَم تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَراكَ» [٣].
و من الطّبيعي فإنّ المُعايشة مع هذه الحقيقة، و هي أنّ البّاري تعالى معنا أينما كُنّا، و الرّقيب علينا، من شأنه أن يخلق فينا روح الرّقابة، و نكون معها دائبين على الإنسجام، مع خطّ الرّسالة من موقع الإلتزام.
٣- ورد حديثٌ عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: «يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُهَيمِناً عَلى
[١]. سورة الحشر، الآية ١٨.
[٢]. هذا على ما جاء في بعض التّفاسير، وقد جاء في تفاسير اخرى، أنّ المقصود هو النّظر و الإعتبار بخلقة اللَّه تعالى، لإنكشاف الآيات و الملاحظات التّوحيدية عند الإنسان، ولا تنافي بين التّفسيرين.
[٣]. كنز العمّال، ج ٣، ص ٢٢، ح ٥٢٥٤؛ بحار الأنوار، ج ٢٥، ص ٢٠٤.