الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧١ - تفسير و إستِنْتاجٌ
المعاندين، الذين لا يحبون النّاصحين:
«وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون».
و مرةً اخرى نسب ذلك الفعل للأصنام، فيقول اللَّه تعالى: «وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) [١].
و اخرى (وكما ورد في الآية التي هي مورد بحثنا الآن)، ورد بصورة الفعل المبني للمجهول:
«أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً».
و بنظرةٍ فاحصةٍ نرى، أنّ هذه التّعابير لا تتقاطع فيما بينها، بل أحدها يكمّل الآخر، فمرةً تكون الزّينة عاملًا على تكرار العمل، فالتّكرار يُقلّل من قبح العمل، و يصل إلى مرحلةٍ لا يحسّ معها بالذّنب، و بالإستمرار يحسُن في نظر صاحبه، فيُقيّده و لا يستطيع التّحرر من ذلك الفخ، الذي نُصب له، و هي حقيقةٌ يمكن للإنسان أن يلمسها، بالتتّبع و النّظر لحال المجرمين.
و في موارد اخرى، فإنّ الوساوس الشّيطانية الخارجيّة، و الوساوس الباطنيّة النفسيّة، تزيّن للإنسان سوء عمله، و يصل الأمر به إلى إرتكاب الكبائر، بحجة أنّه يؤدّي واجبه الدّيني فيغتاب شخصاً ما، بدون ذنبٍ و هو يتصور أنّه على حقٍّ، ولكن الحسد في الواقع هو الذي يدفعه الى ذلك، و التأريخ مليءٌ بمثل هذه الجنايات الفظيعة، فوساوس النّفس و الشّيطان لا تعمل على التّستر على قبح العمل فقط، بل تجعله من إفتخاراته.
و ربّما يعاقب الباري تعالى، أشخاصاً لعنادهم، و عدم قبولهم النّصحية، و لا يكون العقاب إلّا بتزيين سوء عمل الإنسان، لتشتدّ عقوبته ويفتضح أكثر فأكثر.
و يجب التّنويه، إلى أنّه و طبقاً للتّوحيد الأفعالي، فإنّ كلّ عملٍ و أثرٍ موجودٍ في هذا العالم، يمكن أن يُنسب إلى اللَّه تعالى، لأنّ ذاته المقدّسة هي علّةٌ العلل، و لا يعني هذا الأمر أنّ الأفراد قد اجبروا على أفعالهم، فالحمد للَّهالذي جعل القوّة والقدرة على الفعل ومنَحها لِعباده، واللعنة على الذين يستعملون تلك القوّة في دائرة الشر والذّنوب.
و ربّما تقتضي طبيعة الأشياء، التّزيين والزخرفة، فنقرأ في الآيه (١٤) من سورة آل عمران:
[١]. سورة الأنعام، الآية ١٣٧.