الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٦ - ١٤- الوجه الآخر للولاية، و دوره في تهذيب النّفوس
ذلك لوجود نقطةٍ مضيئةٍ و بصيصٍ من الأمل في أعماق قلبه، و هو تمسّكه بالولاية، حيث أدّى إلى أن يتحرّك الإمام عليه السلام إلى نجدته و إنقاذه، في آخر لحظات حياته و أيّام عمره.
و الّنموذج الآخر لهذا التّأثير المعنوي، و الولاية التكوينيّة في تهذيب النّفوس المستعدّة، هو ما نقله العلّامة المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار، عن الإمام الكاظم عليه السلام، و الجارية التي أرسلها هارون إليه.
فقد وَرد أنّ هارون الرّشيد، أنفذَ إلى موسى بن جعفر عليه السلام جاريةً خصيفةٌ، لها جمالٌ و وضاءةٌ لتخدمه في السّجن، فقال له: «بَل أَنْتُم بِهَدِيّتِكُم تَفرَحُونَ» [١]، لا حاجة لي في هذه و لا في أمثالها، قال: إستطار هارون غَضباً، و قال: إرجع إليه وقل له: ليس بِرضاك حبَسناك، و لا بِرضاك أخذناك، و إترك الجارية عنده و إنصرف.
قال: فَمضى و رجع، ثم قام هارون عن مجلسه، و أنفذَ الخادم إليه ليتفحص عن حالها، فرآها ساجدةً لربّها لا ترفعُ رأسها، تقول: قُدّوسٌ سُبحانك سُبحانك.
فقال هاورن: سَحرها و اللَّه موسى بن جعفر بسحره، عليّ بها، فأتى بها و هي تَرتَعد، شاخصةً نحو السّماء بصرها، فقال: ما شأنك؟.
قالت: شأني الشّأن البديع، إنّي كنت عنده واقفةً، و هو قائمٌ يصلّي ليله ونهاره، فلمّا إنصرف عن صلاته بوجهه، و هو يسبّح اللَّه و يقدّسه، قلت: ياسيّدي هلْ لك حاجة اعطيكها؟
قال: وما حاجتي إليك؟
قلت: إنّي ادخلت عليك لِحوائجك.
قال: ما بالُ هؤلاء؟.
قالت: فآلتفتُ فإذا روضةٌ مزهرةٌ، لا أبلغ آخرها من أوّله بنظري، ولا أوّلها من آخرها، فيها مجالسُ مفروشة بالوِشيّ و الدّيباج، و عليها و صفاً وَ وَصائِف، لم أر مثل وجوههم حُسناً، و لا مِثل لباسهم لِباساً، عليهم الحَرير الأخضر، والأكليلُ و الدّر و الياقوت، و في أيديهم الأباريق و المَناديل، و من كلّ الطّعام، فخَررت ساجدةً حتّى أقامني هذا الخادم؛ فرأيت نفسي حيثُ كنت.
[١]. سورة النّمل، الآية ٣٦.