الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٤ - تفسير و استنتاج
بقوله: «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً».
فهذا الكلام يدلّ على أنّ الفجار و المنحرفين، لا يلدون إلّاالفجّار و المنحرفين، و لا يستحقون الحياة الكريمة من موقع الرّحمة، بل يجب أن ينزل عليهم العذاب أينما وجدوا وحلّوا، و الحقيقة أنّ البيئة، و تربية الاسرة وكذلك الوراثة، كلّها عوامل تؤثر في الأخلاق و العقيدة، في حركة الحياة والإنسان، والمهم في الأمر أنّ نوحاً عليه السلام، قطع بكفر وفساد أولادهم اللّاحقين، لأنّ الفساد إنتشر في المجتمع بصورةٍ كبيرةٍ جدّاً، فلا يمكن لأحدٍ أن يفلت منه بسهولةٍ، و طبعاً وجود مثل هذه العوامل، لا يعني سلب الإرادة من الإنسان، وقد ذهب البعض إلى أنّ نوح عليه السلام، توجّه لهذه الملاحظة عن طريق الوحي الإلهي، عندما قال له الباري تعالى: «إنَّهُ لَن يُؤمِنَ مِن قَومِكَ إلّامَن آمن» [١].
و من الواضح، أنّ هذه الآية لا تشمل الأجيال القادمة، لكنّه لا يُستبعد أنّه عليه السلام حكم عليهم بالإعتماد على الامور الثلاثة السّابقة الذّكر، و هي: (البيئة، وتربية الاسرة، و عامل الوراثة).
و قد ورد في بعض الرّوايات أنّ الكفّار من القوم، كانوا يأتون بصبيانهم المميزين عند نوح عليه السلام، و يقول الأب لإبنه؛ أترى هذا الشّيخ يا بُني؟ إنّه شيخٌ كذّاب، فلا تقترب منه، هكذا أوصاني أبي، «وإفعل أنت ذلك مع إبنك أيضاً».
و ظلّ الأمر على هذا المنوال على تعاقب الأجيال [٢].
و في «الآية الثانية»: يحدثنا القرآن الكريم عن السيّدة مريم عليها السلام، والتي تعتبر من أهم وأبرز الشخصيات النسائية في العالم، و قد ورد في النّصوص الدينيّة، ما يبيّن أنّ مسألة التربية والوراثة و البيئة، لها أهميّة كبيرةٌ في رسم وصياغة شخصيّة الإنسان، في خطّ الحقّ أو الباطل، و لأجل تربية أفرادٍ صالحين، يجب علينا التّوجه لتلك الامور.
و من جملتها، حالة الام في زمان الحَمل، فترى أنّ امّ مريم كانت تستعيذ باللَّه تعالى من
[١]. سورة هود، الآية ٣٦.
[٢]. تفسير الفَخر الرازي، و المُراغي، للآية مَورد بحثنا.