الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٧ - ٥- الأخلاق والحريّة
تتركها حرّةً، لأنّه سيقول: إنّ الشّجرة يجب أن تكون حرّةً لكي تُثمر، لا أن معوّجة فتذهب بأتعابي سُدىً.
وكذلك بالنسبة للإنسان، فلديه ملكاتٌ و قابلياتٌ مُتنوّعةٌ و مهمّةٌ، و إذا ما نُظِّرت تَنظيراً صحيحاً، فستصعد به إلى أعلى درجات الرّقي والكمال المادّي والمعنوي، فهو حرٌّ في الإستفادة من قابلياته في الطّريق السّليم، لا أن يُهدِر هذه القابليّات في الطرق المنحرفة.
فالذّين فسرّوا الحريّة، بمعناها العام الشّامل بلا قيد ولا شرط، ففي الحقيقة لم يفهموا معنى الحريّة، فالحريّة هي الإستفادة من الطّاقات في الطّريق الصّحيح، الذي يوصله للأهداف العُليا: (ماديةٌ كانت أم معنويةٌ).
و مثالٌ آخر، حرّية المرورِ و العبورِ في الطّرق الواسعة و الضّيقة، فالغرض هو وصول الإنسان لمقصده، ولكن هذا لا يعني أبداً، عدم الإلتزام بقوانين المرور، حيث يؤدي إلى الهرج و المرج، و الفَوضى في حركة المرور.
فلا يوجد إنسانٌ عاقلٌ يقول: إنّ التّقيد بقوانين المرور ورعايتها، مثل التّوقف عند الضّوء الأحمر، أو عدم المرور في طريقٍ ما، أو السّير على الجانب الأيمن، وما شابهها من الامور، التي توجب تحديد حريّة السّائق، فالكلّ سوف يستهزيء بمثل هذا الكلام، حيث يقال له، إنّ الحرّية يجب أن تكون؛ ضمن المقررات و القوانين التي تراعى من أجل سلامة الإنسان و أموال و ممتلكات الآخرين و لا تسبب في الهرج و المرج، وقتل الأبرياء دون مُبرِّر، أو تفضي إلى عدم الوصول بسلامةٍ للمقصد والغاية.
فكثيرٌ من هذه الحريّات هي كاذبةٌ، و نوعٌ من التّقييد الحقيقي.
فالشّاب الذي يسىء الإستفادة من حريته، و يستعمل المخدّر المميت، فهو في الواقع يكون قد أمضى حُكم أسرِهَ و تَسلّط الغير عليه، فالحريّة التي تُصاحب الإلتزام بالموازين الأخلاقية، هي التي تُعطي للإنسان الحريّة الحقيقيّة و تجعله متمكنّاً من نفسه و مسيطراً على أهوائه و نوازعِهِ النّفسية، و كم هو جميل كلام أميرالمؤمنين عليه السلام، حيث يقول: