خرد گرايى در قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٣٦ - ٥/ ٣ نادانى پسنديده
قُلنا: إنَّ ذلِكَ شَيءٌ يَكونُ مِنَ الإِنسانِ لِغَلَبَةِ الشَّهَواتِ وتَركِهِ مُخالَفَتَها مِن غَيرِ أن يُقَدِّرَها في نَفسِهِ ويَبنِيَ عَلَيهِ أمرَهُ فَيَصفَحُ اللَّهُ عَنهُ ويَتَفَضَّلُ عَلَيهِ بِالمَغفِرَةِ، فَأَمّا مَن قَدَّرَ أمرَهُ عَلى أن يَعصِيَ ما بَدا لَهُ ثُمَّ يَتوبَ آخِرَ ذلِكَ فَإِنَّما يُحاوِلُ خَديعَةَ مَن لا يُخادَعُ بِأَن يَتَسَلَّفَ التَّلَذُّذَ فِي العاجِلِ ويَعِدَ ويُمَنِّيَ نَفسَهُ التَّوبَةَ فِي الآجِلِ، ولِأَنَّهُ لا يَفي بِما يَعِدُ مِن ذلِكَ فَإِنَّ النُّزوعَ مِنَ التَّرَفُّهِ وَالتَّلَذُّذِ ومُعاناةِ التَّوبَةِ- ولا سِيَّما عِندَ الكِبَرِ وضَعفِ البَدَنِ- أمرٌ صَعبٌ، ولا يُؤمَنُ عَلَى الإِنسانِ مَعَ مُدافَعَتِهِ بِالتَّوبَةِ أن يُرهِقَهُ المَوتُ فَيَخرُجَ مِنَ الدُّنيا غَيرَ تائِبٍ، كَما قَد يَكونُ عَلَى الواحِدِ دَينٌ إلى أجَلٍ وقَد يَقدِرُ عَلى قَضائِهِ، فَلا يَزالُ يُدافِعُ بِذلِكَ حَتّى يَحِلَّ الأَجَلُ وقَد نَفِدَ المالُ فَيَبقَى الدَّينُ قائِمًا عَلَيهِ. فَكانَ خَيرُ الأَشياءِ لِلإِنسانِ أن يُستَرَ عَنهُ مَبلَغُ عُمُرِهِ، فَيَكونَ طولَ عُمُرِهِ يَتَرَقَّبُ المَوتَ، فَيَترُكَ المَعاصِيَ ويُؤثِرَ العَمَلَ الصّالِحَ.
فَإِن قُلتَ: وها هُوَ الآنَ قَد سُتِرَ عَنهُ مِقدارُ حَياتِهِ، وصارَ يَتَرَقَّبُ المَوتَ في كُلِّ ساعَةٍ، يُقارِفُ الفَواحِشَ ويَنتَهِكُ المَحارِمَ!
قُلنا: إنَّ وَجهَ التَّدبيرِ في هذَا البابِ هُوَ الَّذي جَرى عَلَيهِ الأَمرُ فيهِ، فَإِن كانَ الإِنسانُ مَعَ ذلِكَ لا يَرعَوي ولا يَنصَرِفُ عَنِ المَساوي فَإِنَّما ذلِكَ مِن مَرَحِهِ ومِن قَساوَةِ قَلبِهِ لا مِن خَطَاً فِي التَّدبيرِ؛ كَما أنَّ الطَّبيبَ قَد يَصِفُ لِلمَريضِ ما يَنتَفِعُ بِهِ، فَإِن كانَ المَريضُ مُخالِفًا لِقَولِ الطَّبيبِ لا يَعمَلُ بِما يَأمُرُهُ ولا يَنتَهي عَمّا يَنهاهُ عَنهُ لَم يَنتَفِع بِصِفَتِهِ، ولَم يَكُنِ الإِساءَةُ في ذلِكَ لِلطَّبيبِ بَل لِلمَريضِ حَيثُ لَم يَقبَل مِنهُ. ولَئِن كانَ الإِنسانُ مَعَ تَرَقُّبِهِ