السلطان المفرج عن أهل الإيمان فيمن رأى صاحب الزمان - علي بن عبد الكريم النيلي - الصفحة ٢ - مقدّمة المحقّق
من هنا جاءت الهجرة النبويّة المباركة إلى المدينة المنوّرة، ليبدأ فصل جديد من الدعوة و الكفاح عبر أمرّ المراحل و أصعب الظروف، فكان غياب الرسول القسريّ عن مكّة المكرّمة و مجتمعها الذي أبى أن يسجد للّه إلّا تحت بارقة السيوف و في ظروف الانكسار، و ذلك ما تجلّى في فتح مكّة المكرّمة.
لكنّ النفوس اللئيمة ظلّت تحوك المؤامرات- بعد أن عجزت عن المواجهة- و دأبت على التخطيط للمرحلة القادمة؛ و هي مرحلة ما بعد غياب النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله)، فعقدت صحائف الغدر، و نكثت العهود و المواثيق التي جادت بها مراوغة و زورا و احتيالا.
فما إن مضى النبيّ محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) إلى ربّه حتّى أمسكت عصائب الغدر بأزمّة الأمور، عاضة بنواجذها عليها، منقلبة على أعقابها، كما أخبر اللّه تعالى في كتابه العزيز حيث يقول: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، فعقدت فلتة السقيفة، و أبعدت عليّا (عليه السّلام) عن واجهة الأمور، و اغتصبت فدك فاطمة (عليها السّلام)، و خمس الآل، و أحرقت بيت النبوّة و الرسالة، و جرت أمير المؤمنين (عليه السّلام) مرموما ليبايع ضئيل تيم و و و ... فما كان بيت النبوّة إلّا معقل الهموم، و ما كانت الزهراء إلّا بيت الأحزان.
و غاب القائد عن دوره القيادي الريادي في ظلّ الحكم التيمي، و ما أعقبه من الحكم العدوي، و ما ثلّثوا به من الحكم الأموي. حتّى إذا كبت به بطنته، و أجهز عليه عمله، هرع المسلمون ليصححوا ما فرّطوا به، باحثين عن المجد الإسلامي الضائع، فكان دور الظهور العلوي و إعادة المسير النبوي، لكن وقفت في وجه تلك المسيرة المباركة أغربة العصبيّة القبلية، و التمييز الطبقي، و المدّ القرشي مرّة أخرى، فكان صدر عليّ (عليه السّلام) و بئر الهموم و الأسرار.