السلطان المفرج عن أهل الإيمان فيمن رأى صاحب الزمان - علي بن عبد الكريم النيلي - الصفحة ٩٤ - القصة السابعة عشر
قال الشيخ: فلمّا حضرنا عنده قلت له: يا محمود ما الّذي أخرجك عن ملّة أهلك، و أدخلك مع الشيعة؟ فقال: يا شيخ لمّا اتّضح لي الحقّ تبعته، اعلم أنّه قد جرت عادة أهل الفرس [١] أنّهم إذا سمعوا بورود القوافل عليهم، خرجوا يتلقّونهم، فاتّفق أنّا سمعنا بورود قافلة كبيرة، فخرجت و معي صبيان كثيرون و أنا إذ ذاك صبيّ مراهق، فاجتهدنا في طلب القافلة، بجهلنا، و لم نفكّر في عاقبة الأمر، و صرنا كلّما انقطع منّا صبيّ من التعب خلوه إلى الضعف، فضللنا عن الطريق، و وقعنا في واد لم نكن نعرفه، و فيه شوك، و شجر و دغل، لم نر مثله قطّ فأخذنا في السير حتّى عجزنا و تدلّت ألسنتنا على صدورنا من العطش، فأيقنّا بالموت، و سقطنا لوجوهنا.
فبينما نحن كذلك إذا بفارس على فرس أبيض، قد نزل قريبا منّا، و طرح مفرشا لطيفا لم نر مثله تفوح منه رائحة طيّبة، فالتفتنا إليه و إذا بفارس آخر على فرس أحمر عليه ثياب بيض، و على رأسه عمامة لها ذؤابتان، فنزل على ذلك المفرش ثمّ قام فصلّى بصاحبه، ثمّ جلس للتعقيب.
فالتفت إليّ و قال: يا محمود! فقلت: بصوت ضعيف لبّيك يا سيّدي، قال: ادن منّي، فقلت: لا أستطيع [٢] لما بي من العطش و التعب، قال: لا بأس عليك.
فلمّا قالها حسبت كأن قد حدث في نفسي روح متجدّدة، فسعيت إليه حبوا فمرّ [٣] يده على وجهي و صدري و رفعها إلى حنكي فردّه حتّى لصق بالحنك الأعلى
[١] الظاهر أنّه بالفتح، موضع للهذيل أو بلد من بلدانهم كما في القاموس، منه (رحمه اللّه). أقول: بل هو بالضم لما سبق قبل أسطر من قوله «و أهل فارس مشهورون بشدّة التسنّن و النصب و العداوة».
[٢] هذا هو الظاهر، و النسخة «لم استطع»، منه (رحمه اللّه).
[٣] فأمرّ ظ.