السلطان المفرج عن أهل الإيمان فيمن رأى صاحب الزمان - علي بن عبد الكريم النيلي - الصفحة ٩٦ - القصة السابعة عشر
فلمّا كان آخر النهار إذا برجل من فراسنا، و معه ثلاث أحمرة، قد أقبل ليحتطب فلمّا رآنا ارتاع منّا و انهزم، و ترك حميره فصحنا إليه باسمه، و تسمّينا له فرجع و قال: يا ويلكما إنّ أهاليكما قد أقاموا عزاءكما، قوما لا حاجة لي في الحطب، فقمنا و ركبنا تلك الأحمرة، فلمّا قربنا من البلد، دخل أمامنا، و أخبر أهلنا ففرحوا فرحا شديدا و أكرموه و أخلعوا عليه.
فلمّا دخلنا إلى أهلنا سألونا عن حالنا، فحكينا لهم بما شاهدناه، فكذّبونا و قالوا: هو تخييل لكم من العطش.
قال محمود: ثمّ أنساني الدّهر حتّى كأن لم يكن، و لم يبق على خاطري شيء منه حتّى بلغت عشرين سنة، و تزوّجت و صرت أخرج في المكاراة و لم يكن في أهلي أشدّ منّي نصبا لأهل الإيمان، سيّما زوّار الأئمّة (عليهم السّلام) بسرّمنرأى فكنت أكريهم الدّوابّ بالقصد لأذيّتهم بكلّ ما أقدر عليه من السرقة و غيرها و أعتقد أنّ ذلك ممّا يقرّبني إلى اللّه تعالى.
فاتّفق أنّي كريت دوابّي مرّة لقوم من أهل الحلّة، و كانوا قادمين إلى الزيارة منهم ابن السهيلي و ابن عرفة و ابن حارب، و ابن الزهدري، و غيرهم من أهل الصلاح، و مضيت إلى بغداد، و هم يعرفون ما أنا عليه من العناد، فلمّا خلوا بي من الطريق و قد امتلئوا عليّ غيظا و حنقا لم يتركوا شيئا من القبيح إلّا فعلوه بي و أنا ساكت لا أقدر عليهم لكثرتهم، فلمّا دخلنا بغداد ذهبوا إلى الجانب الغربيّ فنزلوا هناك، و قد امتلأ فؤادي حنقا.
فلمّا جاء أصحابي قمت إليهم، و لطمت على وجهي و بكيت، فقالوا: ما لك؟
و ما دهاك؟ فحكيت لهم ما جرى عليّ من اولئك القوم، فأخذوا في سبّهم و لعنهم