السلطان المفرج عن أهل الإيمان فيمن رأى صاحب الزمان - علي بن عبد الكريم النيلي - الصفحة ٩٧ - القصة السابعة عشر
و قالوا: طب نفسا فإنّا نجتمع معهم في الطريق إذا خرجوا، و نصنع بهم أعظم ممّا صنعوا.
فلمّا جنّ الليل، أدركتني السعادة، فقلت في نفسي، إنّ هؤلاء الرفضة لا يرجعون عن دينهم، بل غيرهم إذا زهد يرجع إليهم، فما ذلك إلّا لأنّ الحقّ معهم فبقيت مفكّرا في ذلك، و سألت ربّي بنبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) أن يريني في ليلتي علامة أستدلّ بها على الحقّ الذي فرضه اللّه تعالى على عباده.
فأخذني النوم فإذا أنا بالجنّة قد زخرفت، فإذا فيها أشجار عظيمة، مختلفة الألوان و الثمار، ليست مثل أشجار الدنيا، لأنّ أغصانها مدلّاة، و عروقها إلى فوق، و رأيت أربعة أنهار: من خمر، و لبن، و عسل، و ماء؛ و هي تجري و ليس لها جرف [١] بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها لشربت، و رأيت نساء حسنة الأشكال و رأيت قوما يأكلون من تلك الثمار، و يشربون من تلك الأنهار، و أنا لا أقدر على ذلك، فكلّما أردت أن أتناول من الثمار، تصعّد إلى فوق، و كلّما هممت أن أشرب من تلك الأنهار، تغوّر إلى تحت فقلت للقوم: ما بالكم تأكلون و تشربون؟ و أنا لا اطيق ذلك؟ فقالوا: إنّك لا تأتي إلينا بعد.
فبينا أنا كذلك و إذا بفوج عظيم، فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: سيّدنا فاطمة الزهراء (عليها السّلام) قد أقبلت، فنظرت فإذا بأفواج من الملائكة على أحسن هيئة، ينزلون من الهواء إلى الأرض، و هم حافّون بها، فلمّا دنت و إذا بالفارس الذي قد خلّصنا
[١] الجرف بالضم و بضمّتين ما تجرفته السيول، و أكلته من الأرض، و منه المثل «فلان يبني على جرف هار، لا يدري ما ليل من نهار» و جمعه أجرف، و يقال للجانب الذي أكله الماء من حاشية النهر أيضا، أو هو بضمّتين، فكأنّه أراد أن تلك الأنهار كان لها جداول مستوية و كانت المياه تجري فيها مملوءة، بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها لشربت، و لم تقع فيها.