السلطان المفرج عن أهل الإيمان فيمن رأى صاحب الزمان - علي بن عبد الكريم النيلي - الصفحة ٩٥ - القصة السابعة عشر
و دخل لساني في فمي، و ذهب ما بي، و عدت كما كنت أوّلا.
فقال: قم و ائتني بحنظلة من هذا الحنظل و كان في الوادي حنظل كثير فأتيته بحنظلة كبيرة فقسّمها نصفين، و ناولنيها و قال: كلّ منها فأخذتها منه، و لم اقدم على مخالفته و عندي [١] أمرني أن آكل الصبر لما أعهد من مرارة الحنظل، فلمّا ذقتها فإذا هي أحلى من العسل، و أبرد من الثلج، و أطيب ريحا من المسك شبعت و رويت.
ثمّ قال لي: ادع صاحبك، فدعوته، فقال بلسان مكسور ضعيف: لا أقدر على الحركة، فقال له: قم لا بأس عليك فأقبل إليه حبوا و فعل معه كما فعل معي ثمّ نهض ليركب، فقلنا باللّه عليك يا سيّدنا إلّا ما أتممت علينا نعمتك، و أوصلتنا إلى أهلنا، فقال: لا تعجلوا و خطّ حولنا برمحه خطّة، و ذهب هو و صاحبه فقلت لصاحبي: قم بنا حتّى نقف بازاء الجبل و نقع على الطريق، فقمنا و سرنا و إذا بحائط في وجوهنا فأخذنا في غير تلك الجهة فإذا بحائط آخر، و هكذا من أربع جوانبنا.
فجلسنا و جعلنا نبكي على أنفسنا ثمّ قلت لصاحبي: ائتنا من هذا الحنظل لنأكله، فأتى به فإذا هو أمر من كلّ شيء، و أقبح، فرمينا به، ثمّ لبثنا هنيئة و إذا قد استدار من الوحش ما لا يعلم إلّا اللّه عدده، و كلّما أرادوا القرب منّا منعهم ذلك الحائط، فإذا ذهبوا زال الحائط، و إذا عادوا عاد.
قال: فبتنا تلك الليلة آمنين حتّى أصبحنا، و طلعت الشمس و اشتدّ الحرّ و أخذنا العطش فجزعنا أشدّ الجزع، و إذا بالفارسين قد أقبلا و فعلا كما فعلا بالأمس، فلمّا أرادا مفارقتنا قلنا له: باللّه عليك إلّا أوصلتنا إلى أهلنا، فقال: ابشرا فسيأتيكما من يوصلكما إلى أهليكما ثمّ غابا.
[١] أي و عندي من العقيدة و النظر أنّه أمرني أن آكل الصبر.