سيرتنا و سنتنا - العلامة الأميني - الصفحة ٣١ - إليك البيان
يستدعي كُلّ منها حبّه والتعشق به قبل كُلّ شيء بعد الله تبارك وتعالى تارة اخرى.
فهو (ص) مع قطع النظر عن فضائل طينته وعنصره ومحتده، وما في خُلقه وخَلقه، ومولده ونشأته، ومكارم أخلاقه ونفسياته الكريمة، وكراماته ومقاماته، ونعوته وصفاته المتكثّرة التي تخصّ به، لو لم يك فيه إلّا كونه غاية الوجود، ولولا هو (ص) لم يكن الإنسان شيئاً مذكوراً، وما وهدت له الأرض، ولم ترفع سماء، وإنّه (ص) أولى بالبريّة من أنفسهم بولايته العامّة الكبرى التي قورنت بولاية الله تعالى في كتابه؛ لكان أجدر وأحرى وأولى وأحقّ بأن يكون أحبّ لكُلّ امرئ آمن به وصدّقه، من نفسه وما تحويه، ومن ذاته وممّن يمت به من أهله وولده ووالده وذويته وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه والناس أجمعين.
وليست الأُمّة المؤمنة في ذلك شرعاً سواء، بل هم فيه على اختلاف درجات عرفانهم به كاختلافهم في حبّ الله تعالى، قال الإمام القرطبي: كُلّ من آمن بالنّبي- صَلّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلّم- إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحّة، غير أنَّهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقاً في الشهوات، محجوباً في الغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النّبي- صَلّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلّم- اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأُمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردد فيه، وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر، لما وقّر في قلوبهم من محبته، غير أنّ ذلك سريع الزوال بتوالي الغفلات، والله المستعان[١].
[١] - عنه في فتح الباري لابن حجر ١: ٥٦.