سيرتنا و سنتنا - العلامة الأميني - الصفحة ٣٣ - إليك البيان
وفي الصحيح أيضاً عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبيّ (ص) وهو آخذ بين عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحبّ إليّ من كُلِّ شيء إلّا من نفسي، فقال النبيّ (ص) له: لا والذي نفسي بيده حتّى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنّه الآن، والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي، فقال النبيّ (ص): الآن يا عمر[١]؟!
[١] - مسند أحمد ٤: ٢٣٣ و ٣٣٦ و ٥: ٢٩٣، صحيح البخاري ٧: ٢١٨، كتاب الإيمان والنذر باب كيف كانت يمين النبيّ- صَلّى الله عَلَيْهِ[ وَآلِهِ] وَسَلّم-، المستدرك للحاكم ٣: ٤٥٦، المعجم الأوسط للطبراني ١: ١٠٣، تاريخ مدينة دمشق ١٩: ٨٧، إمتاع الأسماع للمقريزي ١٣: ١٧٣، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢: ١٩، سبل الهدى والرشاد ١٠: ٤٧٦.
والعبارة واضحة كُلّ الوضوح في محبة عمر لنفسه أكثر من حبها للنبيّ( ص)، وهذا الأمر كان سابقاً ومطلوباً منهم قبل كلام النبيّ( ص) هذا، لأنّ النبيّ( ص) اعترض على عمر بقوله: الآن يا عمر، ممّا يدلل على سبق هذا الأمر على هذا الحديث وإلّا لا معنى لاعتراض النبيّ( ص) الواضح من قوله: الآن يا عمر؟ ممّا يدل على كونه استفهاماً استنكارياً! أي أين كنت من هذا الأمر يا عمر والله سبحانه وتعالى قد أمر به في سابق آياته وجليل ذكره فتأويل الكلام لا معنى له ولا يرجع إلى محصل وإنّما هي تخرصات جاءوا بها من عندهم، قال ابن حجر في فتح الباري ١١: ٤٥٨ تعليقاً على قول النبيّ( ص): الآن يا عمر قال: قال الداودي: وقوف عمر أوّل مرة واستثناؤه نفسه إنّما اتفق حتّى لا يبلغ ذلك منه فيحلف بالله كاذباً، فلمّا قال له ما تقرر في نفسه أنّه أحبّ إليه من نفسه فحلف كذا قال .. فواضح أنّ هذا تخرص بعيد عن سياق الحديث، فإنّ الحديث لا يظهر منه ولو على بعد شكّ عمر بهذا الأمر، فلذلك توقف، ثُمّ لما استقرأ نفسه ووجدها راضية بذلك أقرّ، فإنّ هذا أمرٌ نفسي راجع إلى نفس عمر أنّى لنا بمعرفته ما لم يبرزه الكلام، والكلام واضح في فقدان عمر لذلك قبل كلام النبيّ( ص) به.
على أنا لو قبلنا قول الداودي هذا فإنّه لا يدفع عن عمر بن الخطاب لزوم تقديم حبّ الرسول على حبّ نفسه، المخاطب به سابقاً بدليل قول النبيّ( ص): الآن يا عمر.
ثُمّ يكمل ابن حجر كلامه فيقول: وقال الخطابي: حبّ الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنّما أراد عليه الصلاة والسّلام حبّ الاختيار، إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغيرها عمّا جلبت عليه.
قلت: فعلى هذا الجواب عمر كان أولًا بحسب الطبع ثُمّ تأمّل فعرف بالاستدلال أنّ النبيّ( ص) أحبّ إليه من نفسه، لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة، فأخبر بما اقتضاه الاختيار ولذلك حصل الجواب بقوله: الآن يا عمر، أي الآن عرفت فنطقت بما يجب.
وهذا الكلام من الخطابي تخرص أيضاً، إذ إنّ عمر بن الخطاب مأمور مسبقاً بتقديم حبّ الرسول( ص) على نفسه، فلذلك اعترض عليه، فكيف لم يكن عمرٌ عالماً بذلك الأمر حتّى يطلب منه الرسول( ص) هذا الأمر؟!
ويكمل ابن حجر فيقول: وأما تقرير بعض الشرّاح الآن صار إيمانك معتداً به إذ المرء لا يعتد بإيمانه حتّى يقتضي عقله ترجيح جانب الرسول، ففيه سوء أدب في العبارة ...
أقول: كلام النبيّ( ص) واضح في الاستفهام الإنكاري على عمر بن الخطاب، حيث ذكره بأنّ هذا الأمر لا بدّ أنّ يكون مسبقاً، فتوجيه الكلام عليه غير صحيح، فلا حاجة لاعتراض ابن حجر عليه، لعدم تماميته أصلًا.
أضف إلى ذلك أنّ ابن حجر اعترض على سوء أدب العبّارة، فالتزم جانت الدفاع عن عمر، مع أنّ الأحرى به الدفاع عن حياض الشريعة وعن مكانة الرسول الأكرم( صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّم) في وجوب تقديم حبّه على النفس.