الإمام الحسين بن علي في الشعر العراقي الحديث - يوسف، علي حسين - الصفحة ١٣٩ - مقدمات المراثي
وتأتي المقدمة الطلليَّة بعد مقدمة الحكمة، وهي من أكثر المقدمات شيوعاً في الشعر العربي التقليدي، بوصفها تمثيلاً للواقع الموضوعي لحياة البداوة العربيَّة القائمة على التنقل والترحال، حتى أصبحت تلك المقدمات تقليداً محبباً عند الشعراء العرب، وإن كان الشاعر من سكان الحاضرة([٣٣٩])، لوجود رواسب البداوة، ولأنَّ الأطلال تمثل أهم مظاهرها([٣٤٠]).
ويمكن أن تفسر المقدمة الطلليَّة في مراثي الإمام الحسين (عليه السلام) بأنَّها مظهر من مظاهر الإشادة بالماضي، والتلذذ بذكره، بوصفه ردَّ فعلٍ لقسوة الواقع الذي لم يلبِّ طموحات الشعراء، وبهذا فإنَّ المقدمة الطلليَّة تمثل استجابة نفسيَّة لحاجة ملحَّة في الإنسان في الحنين إلى الماضي بوصفه الأنموذج المثالي الذي لا يتكرر، وهي نوع من حنينه إلى طفولة الحياة، ببساطتها، وعفويتها، وبعدها عن التعقيد، ولاسيما أنَّ الطلل في المرثيَّة الحسينيَّة لم يعد ذلك الرسم الداثر، والخرائب التي عفا عليها الزمن، فلم يبقَ منها إلاّ الأثافي والنؤى، وكلها توحي بالموت والفناء، بل كان شيئاً آخر يفيض بالحياة والنور، ينمو ويتوهج مع مرور الزمن، يقول عبد الحميد السماوي في مقدمة إحدى مراثيه الحسينيَّة([٣٤١]): (من الكامل)
لمن النواهد لا برحن نواهدا
يفنى الزمان ولا تزال رواكدا
[٣٣٩] ينظر: العمدة: ١ / ٢٢٦، ورثاء الإمام الحسين في العصر العباسي (رسالة ماجستير): ٣٣، ومقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي: ١١٦.
[٣٤٠] ينظر: وحدة القصيدة في الشعر العربي حتى نهاية العصر العباسي: ١٩٧.
[٣٤١] ديوان السماوي: ٣٦٢.