خمس رسائل - جوادی آملی، عبدالله - الصفحة ٢٠٥ - الفصل الثانى فى اثبات النبوة العامة و ضرورتها
هو الاصل المعنى به كون الانسان مدنيا بالطبع , و الا بقى منبتا وحده لا ظهرا أبقى و لا ارضا قطع , فالمراد من التمدن هنا هو هذا الاجتماع الخاص [١] لا التمدن المخصوص المعهود اى التعاون على البر و التقوى لان الانسان ليس مجبولا طبعه على المدنية بهذا المعنى المتعالى .
و اما ان كل مدنى بالطبع يحتاج الى قانون , فلان الاجتماع المذكور لابد فيه من معاوضة و معارضة فى الاعمال , حتى يصير عمل كل واحد منهم عوضا عما يناله من الغير و معرضا لان يبذل بحذائه شى ء , اذ لولا المعاوضة لما اقدم احد على عمل للغير و لا رضى احد باعطاء ماله غيره , و من المعلوم : ان المعاوضة تحتاج الى ضابط خاص هو القانون الضامن للقسط , المصون عن حيث الافراط و جور التفريط , المانع عن الاستيفاء عند الاخذ و التطفيف عند الاعطاء .
و اما احتياج القانون الى مقنن , و كذا احتياج الجامعة الانسانية الى ذلك المقنن , فواضح لا مرية فيه , اذا القانون عبارة عن عدة احكام منضودة كافلة لسعادة المعيشة , فهو امر علمى و وضعى خاص , فلا توجد بنفسه فى الخارج , بل لابد له من عالم به و اياه , حتى ينضبط و يتقرر فى نفسه فتناله الجامعة الانسانية بعد ذلك علما و عملا ( ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حى عن بينة) .
فتحصل : ان الانسان لكونه مدنيا بالطبع يحتاج الى من يضع له قانونا يعيش هو فى ضوئه .
ثم انه لابد ان يكون ذلك المقنن انسانا يحاورهم و يخاطبهم [٢] , و يجيب اسئلتهم و يسمع جوابهم , و يحل ما اعتاص عليهم , و يكون اسوة
[١]المصدر السابق .
[٢]الفصل الاخر من كتاب النجاة .